المشترك الإنساني في المُعطى الفكري : دراسة تحليلية للفلسفة و المضامين المتصلة بين الأمم من خلالها .

المشترك الإنساني في المُعطى الفكري : دراسة تحليلية للفلسفة و المضامين المتصلة بين الأمم من خلالها .

مقدمة لا بُدّ منها : تقوم هذه الدراسة في أصلها على قراءة قمتُ بها لكتاب يوسف كرم في تاريخ الفلسفة و الذي اعتمدتُ عليه في تكوين الخلفية التاريخية و المعرفية للمناهج الفلسفية التي بحثتُ فيها و يمكن النظر لهذا المقال بكونه تصورا عاما و مختصرا عن تاريخ الفلسفة و اتصالها بالحال الإنساني عموما .

 حالٌ من الحنين ينتابني و أنا أقرأ في الفكر الفلسفي و يروق لي ما يُمكن النظر له بأنه نزهة للعقل تنتابني و أنا أرى ما يُمكن مُطالعته كجزء ممتد من التاريخ الإنساني لا يمكن الحُكم  القطعي بأنه بدأ من خلال الطبيعيين الأوائل[1] أو الفيثاغوريين و ما تكلم فيه طاليس مثلا من أن المادة الأولى هي الماء و ما ناقضه به هيرقليطس ، فذكر أن النار هي مبدأ كل شئ و هي نار أثيرية غير مدركة بالحواس و تتكثف لتصير بخاراً ، و هذا التأصيل لبداية الأشياء هو ما يمُكن النظر له كوجهة أولية للمنظور الفلسفي و بحثه عن ماهيّات الأشياء و مُبتدئها ، و لكنّ العقلنة الإنسانية للمحيط به لا تتوقف عند ذلك بل هي تتعداه و تدخل في ماهيّات أكثر تفصيلا من ذلك حتى نحَتِ هذه الأسئلة نحوا عند فيثاغورس ليضع تصورا لهذه التساؤلات فصاغ من خلالها العبارة الأولى ” لستُ حكيما فإن الحكمة لا تُضاف لغير الآلهة و ما أنا إلا فيلسوف أي محب للحكمة “[2] .

و لكن لنعُد في التاريخ قليلا و ننظر للذين كانوا قبل اليونانيين ، ألم تكن لهم طبائع تفيض بهم للسؤال الفلسفي ؟
و أقصد بالسؤال هنا -لنتفق على الاصطلاح – هو ما يمكن النظر له بالتساؤلات عن ماهيّة الأمور ، عن سرها ، عن تكوينها ، تساؤل الماوراء مصحوبا بالمعطَى الوحيد ، و هو المِخيال النفسي لتصور هذا الماوراء و ما يتم من عملية عقلية أو حسية يمكن أن تخرج بتصورّات مُركبة أو مُبسّطة عنه .

أقول نعم كان من الملل مَن شاعت فيهم هذه الأسئلة الوجودية ، فنجد الآشوريين مثلا كانوا يرون أن الماء أصل كل شئ كما رأينا لدى أوائل اليونانيين ، و يبدو أن هذه الأولية لها منشأ مُشترك لتتكرر في هذين البُعدين الثقافيين الذيْن يبعد بينهما نطاق جغرافي كبير، و هو ما يمكن كذلك النظر له في الثقافة المصرية القديمة و نظرتهم لما بعد الموت ، و أن الموت عملية انتقالية لهذه الحياة ، و هو في حقيقته خُلاصة البعث الذي لدى الديانة السماوية الحقّة ، و هو ما يُحيلنا للتساؤل إذا ما كانت هذه الخُلاصات التي خلصوا لها كانت رواسب بقيت من هذه الديانات ، و هو ما يُعززه الطرح أنّا في الأصل نعرف أنّ ( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ ) و هذا ما ما فسره قتادة عند الطبري [3]بأن ما من إمة إلا فيها رسول ، فهل دعوى أنّ هذه التأصيلات التي لدى بدايات الفلسفة و عزوها أنها منطلقة من دين سماوي يمكن تغليب الظن بها كمُعطى بحثي يُنطلق من خلال هذه الحيثية ؟

ليس الغرض عندي الجواب على ذلك بقدر ما أنا أتفكر بالنظر أنّا لو نظرنا لأبينا آدم مثلا كأول إنسان له اتصال بالميتافيزيقيا – الجنة و الملائكة .. – و هي أم من أمّهات الأسئلة الفلسفية ، فبالتالي سيكون خلف هذا العلم الذي لديه و الذي اطلع عليه عيانًا مجموعات معرفية واسعة يُمكن تركيبها مع افتراضات ماهية الأسماء التي علمه الله إياها و لم تكن تعرفها الملائكة و هي ما فسره الطبري بأنها أسماء كل شئ[4] ، نعم لقد كان آدم لديه هذه الجمعيات المعرفية ، و لو أصّلنا في مقابل ذلك ما كان عند الناس الأوائل الذين تبعوه في التسلسل التاريخي مِن نظرات فلسفية للكون فهل يمكن عزو هذا لهذا ؟ هذا لو فرضنا آن أدم لم يأتِ نبي بعده ليُعطي الناس معارف مُركبة و مُؤكدة لهذا العلم ، و هو ما لم يحدث إذ أن هناك عدد من الأنبياء كانوا بينه و بين نوح مثلا و هم شيث و إدريس .

و ما أريد البرهنة عليه أن هناك عدد من الأنبياء متصلين بالتاريخ الإنساني ، و قد اشتهرت رواية أن الأنبياء عددهم ١٢٤ ألف نبي ، فتخيل معي طوال التاريخ و مواضعهم و أممهم و ما يتبع ذلك من معارف و رواسبها في النفس البشرية – إذ انطلقنا من أن كل أمة لها نذيرها – و هو ما يمكن أن يُترجم من خلال التساؤلات الفلسفية كامتداد لفقد الأجوبة على الأجوبة التي قد يكون النبي أتى بها ، فيستحيل هذا الفراغ في الأجوبة بعد فقد الحالة النبوية لأسئلة يبحث عنها المتفلسف ، نعم قد يكون فيما أقوله تسطيح لفكرة التساؤل الإنساني الدائم ، و التلقائية في تكوينه المبني على حالة التفكر التي تمرّ بها النفس الإنسانية ، لذا فما أشير إليه هو ما لا يمكن الجزم به و كذلك هو مما لا يمكن إغفاله بل إن القرائن كلها تقود لتحقيقه.

نعود لشذرات المباحث الإنسانية الفلسفية الأولية و التي يُمكن الإطلاق على ما وصل إلينا منها بأنها – عفوية – تُشبه أسئلة الأطفال في أوائل أيامهم ، و لكن هذه التساؤلات تطورت حتى أخذت في التعقيد أكثر إلى أن أتى سقراط و الذي كمُنت أهميته في التنظير لفلسفة الأخلاق و مناظراته التي كانت جزءا من السياق العام مع السفسطائيين[5] و لا ترى سُقراط – و هنا لا أقصد التقليل من شأنه – قد كان أباً في الفلسفة[6] يمكن النظر لما كان يتفلسف به أنه مرجع أساس يُنطلق منه و لا ننسى أن وجه الإشكال قد يكون من قلة  ما وصلنا من فلسفته قياسا بسواه ، و سواه في المقابل هو أفلاطون الذي ابتدع نظريتين واحدة في المُثل و التي تقوم بربط المحسوس بالمعقول : يعني ارتباط ما يمكن إدراكه بالحواس بما يمكن فهمه بالعقل ، و ماذا حدث بعد ؟ هنا انقلبت الفلسفة لترتاح إلى حجر أرسطو و الذي صار ” المعلم الأول ” و أخدت فلسفته تُغذي الفلاسفة حتى عصر ديكارت و كانت في القرن السابع عشر و الثامن عشر ، و يمكن عزو كثير من الأفكار الفلسفية أنها مُنطلقة من تفلسفات أرسطو ، و تكمن رسوخيته في وصول مؤلفاته إلينا و أهمها ” الميتافيزيقا ” و ” الأخلاق ” و لاحظ حضور “الأخلاق” عندنا في معظم ما نحوناه في كلامنا في المباحث الفلسفية ، و هو ملمح يمكن النظر له كعينة يُنطلق من خلالها في حالة تناصيّة بين ما تحمله الديانة السماوية في أصلها من أخلاق و ما يُنظر له من خلال الأحكام الشرعية و الحدود الضابطة لها ، و في مُقابلها ما تفلسف به الفلاسفة تُجاه الأخلاق حتى رُوي [7] ” إن أفلاطون ما هو إلا موسى يتكلم اليونانية ” و أظنّ أن الإشكال حين يُنظر للاثنين بشكل متوازي لا متقاطع و هو ما سنتكلم عنه في عصر الفلسفة المتأخرة .

نعود لأرسطو ؟ هنا لا يهمني البحث عن مراجعة حياته بقدر ما يهمني أثره الذي امتد حتى أن كثيرا من الفلسفة التي تُرجمت في عهد المأمون كانت مُترسخة على نظر أرسطو ، حتى أنّ المأمون نفسه يُروى أنه رآه في رؤيا [8] و يذكر د. طه عبدالرحمن [9]في إحدى لقائاته أن إشكالية الفلسفة الإسلامية بُنيت على فلسفة أرسطو في الأخلاق ، و لم تنبنِ على فلسفة الإسلام نفسه و قيمته و التي من ضمنها ” التقوى و الأمانة ” ، و ما ذكره عن ابن رشد مِن أن قيمته في نقله فلسفة أرسطو أكثر منها في فلسفته الخاصة ، و ربما لهذا أخذ منزلته عند الغرب و استوردنا بدورنا هذه المنزلة .

و بالسياق لابن رشد ، فلو نظرنا لجذور الفلسفة و دخولها في التكوين الفكري للمسلمين فقد أخذت دورتها في المسلمين حتى أنها ولّدت فِرقًا ظلت أقطاب رحى في التاريخ الإسلامي و منها المُتكلمون و المعتزلة [10] و رحلتهم الطويلة و المشهورة في فتنة خلق القرآن و ما نتج عنها من إكراه للناس عليها و ما يُقابله من الصمود الشهير للإمام أحمد بن حنبل و هو ما أُرّخ له في السياق الفكري بمحنة الأمام أحمد ، فكأن المرحلة كانت مرحلة موقف هذا ” الرجل ” الفكري  ، و يُذكرني بوقفة سقراط في أفكاره و التي انتهت بقتله بالسُم و فيما بعد صار علما في الفلسفة و الفكر الإنساني ، و في النظر العام فإن وجود الفكرة و عدم شعبويتها لدى الناس لا يعني ضعفا فيها و هو ما وصفه كانت ” جئت بمؤلفاتي قرنا قبل موعدها و لن أُفهم إلا بعد مائة سنة “[11]و هو ما يُفهم به اكتساب كثير من المفكرين لقيمتهم بعد سنوات من وفاتهم .

و بالنظر لهذه الرؤية التراتبية و ما يتصل بها لتنظر للفلسفة من علٍ ستجد أنها مرّت بمراحل كانت في بدايتها تُشابه -كما قلنا – أسئلة الأطفال الأولية ، ثم أخذت بالتشكل من خلال بعض الأشخاص أو في نظرات معينة لدى بعض الأمم ، حتى أتى سقراط و بدأت تأخذ الفلسفة امتدادا جديدا في حواراته و الذي امتد أثره في حيلولة الرمزية لأسماء بعينها في الفلسفة بعد أن كانت في حالٍ من السيولة وسط الثقافة العامة لأُمّة ، ليُصبح أرسطو بعثا لفكرة الفلسفة المرتبطة برجل  و مدرسة ، و يصير فيما بعد هو الرمز الأساس للفلسفة الإنسانية ، و إن ظل هناك حالٌ من الخمول بعده ، و الذي ظهر في بعض الأسماء و لكنها لم تكن علامات بارزة لتكوين مرحلة يُنطلق منها كما كان هو ، و امتد الحال على هذا حتى أتت حركة الترجمة في عصور الإسلام الأولى و بدأت هُنا تُبعث فلسفة أرسطو و الترجمات من الكتب اليونانية و الفارسية ، و بدأت تحدث عملية توليد للثقافات القديمة و هذه قد صاحبها مُولّدات خاصة و مرافقة لها داخل الفكر الإسلامي و يمكن إجمالها بالوحي أولا ( القرآن و السنة ) و بالثقافة العربية نفسها  و طريقة تلقيها للآخر ، كل هذا صنع أشبه ما يكون بالمُناخ العام الذي انصهر فيه بعض المُسلمين ، لتخرج فرق كلامية و معتزلة ، و هناك مَن يرى تأثير ذلك حتى على التصوف[12]– و هذا مبحث طويل يمكن تخصيص مادة بحث خاصة به -و قد ولّد هذا المناخ جماعة من الأسماء كان أبرزها ( الفارابي ، ابن رشد ، الغزالي، إخوان الصفاء ) [13] و ظل الحال على هذا حتى دخلنا في العصر الحديث و أقول عنه ” حديثا ” لدخوله في نهج جديد في المعرفة الفلسفية ، إذ أنه و إن اعتمد على الفلسفة اليونانية القديمة في بعض مرجعياته فهو لم يتكل عليها كما اتكلت عليها الحركات الفلسفية السابقة بشكل كبير فجعلتها مُنطلقا لحركتها ، فدخلت الفلسفة ككُل في سياق جديد من مرحلة المنهج الجدلي الأرسطي لمرحلة المنهج النقدي الديكارتي ، فصار من حينها ديكارت هو أبو الفلسفة الحديثة ، و كان معه بيكون الذي كان علمًا في المنهج التجريبي فصارا علميها كما كان في الماضي أرسطو هو أبوها القديم أو كما اصطلحوا عليه ” المعلم الأول ” .

 نأتي أولا لبيكون و لنتكلم عن منهجه و الذي أسسه ليتكون من خطوات– و هي :

١-جمع الحقائق

٢- الترتيب و التبويب ( إعادة تموضع للحقائق )

٣-الاستقراء الحقيقي  ( المقارنة و المفاضلة )

٤- التحقق و الاثبات (التحقق من نتيجة الاستقراء)

و هذه الخطوات هي المنهج التجريبي له ، و هي بحد ذاتها آلية للبحث العلمي و له قصبُ السبق في ابتداعها ، و لكنّي و إن كنتُ أراها منسوبة له فإنى على ذلك أجد حكّة الأصولي في داخلي و الذي سيجد تناصًّا في مُنطلقات خطوات منهجه مع  أصول الفقه ، و الذي يعتمد على أسس موازية في استنباط الحكم الشرعي و منها :

١-  القرآن و السنة و الإجماع و هي تقابل عند بيكون مرحلة جمع الحقائق .

٢- ثم مراجعة الناسخ و المنسوخ و الضعيف من الحديث و الصحيح و قول الصحابي المؤيد له .. إلخ ٌو نظيرها عند صاحبنا “الترتيب و التبويب” و يدخل في هذه التراتبية للنصوص التي جُمعت ، حالة من المقارنة بينها لترجيح بعضها على بعض – و هذا شاهد مثلا في عدة المتوفى عنها زوجها ففي القرآن “وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا”[14] و في مقابل هذه الآية حديث سبيعة الأسلمية[15] .

فظاهر النص في القرآن يذكر أن العدة هي ٤ أشهر و ١٠ أيام بينما قامت السنة بتوضيح أن الحامل عدتها  تنتهي بانتهاء حملها و هو يتوافق مع قول الله  “وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ” و هذا عند الأصوليين تخصيص عموم القرآن أو توضيح لإجماله – و هذه العملية كلها تدخل في ( عملية التحقق و الإثبات ) -و هنا لا أحاول أن أُلبس بيكون عمامة الأصولي بقدر ما أني أتكلم أن المنهج الذي وضعه بيكون لا يعدو عن كونه مُقاربة لآلية استنباط الحكم الشرعي و التي وُجدت قبله بمئات السنين ، فهل وصل له من الكتب التي كانت في الأندلس أو غيرها ما يوحي بذلك ؟ خاصة و أن النهضة كعصر في أوروبا لم تظهر إلا بعد سقوط الأندلس و فتح القسطنطينية ، و هما مرحلتان مهمة جدا في التأصيل لمباحث كثيرة قد انضوت تحت هذين الحدثين ، و هي كما ذكرها يوسف كرم [16]في مُسببات النهضة الحديثة لأوروبا و التي من ضمن تمثّلاتها :

١- حركة الترجمة التي تمت للكتب العربية إلى اللاتينية ، و لك أن تتصور أن جامعة لولونيا في إيطاليا – منبع النهضة- كانت تُدرس تعاليم ابن رشد مثلا ، و هو فوق أنه فيلسوف هو كذلك كان قاضيا ، و نحن نعرف أن العملية القضائية هي عملية فقهية بالدرجة الأولى ، و العملية الفقهية جزء كبيرٌ منها هو العملية الرياضية العقلية التي تمرّ بما ذكرنا أعلاه من تراتبية أصولية .

أقف الآن أمام  ما ذكرنا و قد قطعتُ شوطا في مبحث دراسة مسار حركة الفلسفة لدى الإنسان ، و لقد رأينا أن فيها علامات بارزة من حيث أفرادها و من حيث مراحلها ، و لا أظن أن تمظهراتها القديمة التي وصلت كحالة من حالات الذروة من خلال أرسطو يمكن لها أن يغيب عنها التمظهر الأهم لها في العصر الحديث و هو رينيه ديكارت ، و هو اسم قد يكون مألوفا لكل من لديه ثقافة عامة و لكنّ أثره الذي تركه و  ماهي ماهيّته حتى صار أبوها الحديث ؟

نحن إنما نتكلم عن مئات من السنين حيث كان الفكر الأرسطي هو السائد ، بل هو المسلّمة التي لا تقبل الجدال في المنهجية الفلسفية ، حتى أتى كما أشرنا لذلك بيكون فانتهج النهج الاستقرائي و تلاه فيما بعدُ ديكارت و ” ابتدع “[17] نمطًا آخر يمكن لنا أن نسميه المنهج القياسي و الذي يرى من خلاله أن الحدس و القياس هما أداتان فكريتان يمكن لنا أن ندرك من خلالهما ، و قد جعل كذلك ما يمكن لنا تسميته بالقواعد لعملية الاستدلال[18]:

١- ” لا نقبل مطلقا شيئا على أنه حق إلا إذا عرفناه كذلك في وضوح ، بحيث لا يعرض له الشك في الذهن بحال ” و هذه هي حال من تجريد ماهيّة المنقول لنا من الحقائق من التسليم بأنه يقيني ، حتى نُعالج حالة اللا يقين تُجاهه و نُحاكمه لها ، ثم على أثر ذلك نُنيطه وصفا بأنه يقين أو لا ، و هي أساس نظرية الشك التي عُرف بها ، والتي لو بحثنا عن أوليّة التفكير بها فإني لا أقدر إلا على عزوها للإمام أبي حامد الغزالي و دعونا نقرأ ما قاله  ” ظهر ليأن العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافاً لا يبقى معه ريب، ولا يفارقه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك، بل الأمان من الخطأ ينبغي أنا يكون مقارناً لليقين، مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه – مثلاً – من يقلب الحجر ذهباً والعصا ثعباناً، لم يورث ذلك شكاً وإنكاراً، فإني إذا علمتأن العشرة أكثر من الثلاثة، فلو قال لي قائللا بل الثلاثة أكثر، بدليل أني أقلب هذه العصا ثعباناً، وقلبها، وشاهدت ذلك منه، لم أشك بسببه في معرفتي، ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه! فأما الشك بسببه فيما علمته فلا ثم علمت أن كل ما لا أعلمه على هذا الوجه ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين، فهو علم لا ثقة به ولا أمان معه، وكل علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني.

 ألا ترى هنا أن الشك الذي جعله الغزالي أصلا ينطلق منه هو نفسه الشك الذي أصّل يقينية الأشياء عند ديكارت ؟

و صاحب مع هذا ما يُروى من وجود نسخة للمنقذ من الضلال في مكتبة ديكارت[19] و لا يهمنا هنا صحة الخبر من عدمه إذ أنّا ذكرنا ما يغنينا عن هذا الخبر من تأثر الثقافة الأوروبية و فلسفتها بترجمات الكتب العربية و لك أن تعلم أن ابن رشد قد اشتُهر عندنا بعد أن نال ما نال عندهم فكان النظر له ليس ناشئا من عنديّتنا بقدر ما هو من عنديّتهم ، لكن ما أحاول الوصول له قد يكون له مثاران ، أني بُحكم عاطفتي أريد تأويل الفلسفة الغربية و رمزيْها ” بيكون ، ديكارت ” لأصول الفقه كمنهج تارةً و للغزالي نموذجا فرديًّا تارةً أخرى ، و هذا قد يكون فيه مبالغة مني ؟

نعم .. قد يكون .. و لكنه مثار للبحث عن مُتبدأ العلوم و مُنطلقاتها و بالأخص الفلسفية و الفكرية منها و هي ما انغمسنا في العصر الحالي باستيلادها من الفكر الأوروبي المعاصر ناسين أن شيئا من تمثّلاتها المعاصرة مبنية على ما بناه سابقونا في الماضي ( الفارابي ، الغزالي ، ابن رشد .. ) و هذا الفهم سيجعلنا نعود للأصول قبلًا ، ثم نُلحق بها الفروع بعْدًا فنفهم التكوينات من مصدرها ، و مَن تكلم عن المصادر و نحَا سُلم التأصيل فسيقول أن فلسفة أرسطو و جماعة اليونان هي الأصل و أقول نعم و لكن في المقابل ، المناخ الذي امتزج فيه المنهج الأرسطي مع الفكر الأصولي و القياس الفقهي ولّد مِزاجا عاما أنشأ توليدات فلسفية صارت هي بحدّ ذاتها مرجعا يؤصل من خلاله .

 و الناظر لنمطيات أصول الفقه عند الشافعي يمكن له تلمس ذلك من خلال منهجيته التي جعلها في تأصيل الحكم الفقهي ، و هي نفس المنهجية التي كان ينحوها الفقهاء عفوًا دون تقصّدٍ مباشر لها ،  و هي المُتأصلة في تراتبية استقاء الحكم الشرعي من القرآن و السنة و الإجماع و القياس ، و ما نحاه في إظهار منهجية القياس ، و متى يُلجأ له و متى لا  ، و قد يتراءى لك بعد ذلك مما تراه لدى الفقهاء من تأطيرات للسياقات الخاصة بين الراجح و المرجوح و أخف الضررين و غيرها من القواعد العامة و هي لعمري مناهج لو تتبعناها فهي لا شك مناهج فلسفية بانفراد .

 و قد تتساءل عن السياق الذي جعل عددا من الذين لهم تأويلات في الفكر الغربي لهم ما يمكّننا من تغليب الظن من وجود مرجعية فقهية عندهم ، و لكن إذا اكتمل فهمنا عن كيفية النظر للحكم الفقهي عند الفقيه المُجتهد فحينها سنفهم كيف أن الفقيه في اجتهاده يقوم بعملية فلسفية رياضية تُشابهها العملية الرياضية التي اتبعها ديكارت في قياسه الرياضي .

٢- ” نقسم المشكلة التي نحن بصددها ما وسعتنا القسمة و ما فسح لنا ذلك في السبيل إلى حلها على أحسن وجه “.

٣- ” قيادة الأفكار بنظام مبتدئين بأبسطها و منتهين بأكثرها تعقيدا ” .

٤- “إحصاءات تامة و استعراضات عامة بحيث نتأكد من أننا لم نغفل شيئا مما له صلة بالمشكلة المعروضة ” . 

هناك ملمحٌ وسط هذا أودّ الإشارة له و لعله فاتني في معرض الحديث عن ديكارت  و هو مبدأ اهتمامه بالميتافيزيقيا و أنه ناشئ عن الرد على الملحدين و هو واحد من المؤشرات في اتصال الفلسفة لمرحلة طويلة بالدين و هو ملمح يتأتى لي إن كان أبو الفلسفة الحديثة متدينا فكيف نجد من الفلاسفة من ألحد فيما بعد ؟ هذا مبحث آخر لعلي أتكلم عنه فيما بعد و لكن لنعلم أن ديكارت جعل من أساسه الديني انطلاقة غير متروكة للنقاش و هو منطلق من ” البرهنة على وجود الله عند ديكارت غاية و وسيلة في آن واحد : غاية لأن العقيدة الصحيحة لا تتفق من دونها و وسيلة لأنه ليس ثمة يقين إلا ما بني على وجود الله ” [20] و لقد تبنّى مدرسته مجموعة من الفلاسفة و منهم (اسبينوزا ، ماليبرانش ، ليبنتيز) و لستُ في حالِ حديثٍ عنهم إذ يبدو لي أن الحديث عن أستاذهم يكفي عن التفصيل عمّن بعده .

قد نكون الآن كوّننا صورة عامة عن السياق  الفلسفي و كيف وصل إلى مرحلة ديكارت و ينبغي لي كذلك سوق الحديث عن الإنجليز لتكتمل صورة الدرس الفلسفي و عن جون لوك تحديدا ، و الذي يمكن الارتكاز عليه كأبٍ مؤسس للفلسفة الإنجليزية ، و قد كان رأيه يميل لفصل الكنيسة عن الدولة ، و لهذا الفكر أهميته حسبما يرى يوسف كرم [21] على الثورة الفرنسية إذ أن آراءه كان لها الطوْل في الثورة الإنجليزية حيث تقبلها فيما بعد فولتير و روسو و الذيّن كانا عماديّ الثورة الفرنسية فيما بعد ، و قد تفرّع عن فلسفته ديفيد هيوم و هو مَن هو، و لأفهمه بشكل قوي فإن بيكون مثلا كما ذكرنا كان عماد فلسفته هو المذهب التجريبي ، و التجريب يقوم على الحس بينما لهيوم قانون ينطلق فيه من شيء يُصطلح على تسميته بتداعي المعاني و يعني فيه : أن الأفكار لها حالٌ من الاتصال و هذا الحال قد يكون اتصالا فعليا و قد يكون هو اتصال في ذهننا و حسب و هذا الأمر قضى من خلال على مذهب التجريبيين .

نعم نعم أظن أن المتكلم في الفلسفة ينبغي له أن يُحجم من أن يتكلم فيها دون أن يتناول في حديثه الكلام عن ” كانت ” كمُنتهى من مُنتهياتها و هو الاسم الذي نسمعه و نقرأ عنه حتى لو لم نقرأ له ، اسمٌ يشابه تلكم الأسماء التي تكون حاضرة في مجال ما ، تشتهر به و يشتهر بها بغير أن يكون لتفاصيل هذا الارتباط بالضرورة معرفة عند الناس ، كاشتهار الفيزياء بنيوتن و آينشتاين ، في الحين الذي قلّما يعرف الناس سبب الارتباط بينهما أو يعرفون تفكيك مفاهيم النظرية النسبية أو القوانين الثلاثة الشهيرة لنيوتن ، هو ارتباط مقدس يُشابه حال المتنبي مع الشعر و دوستيوفسكي مع الرواية و قد كان صاحبنا ” كانط ” من ذلك النمط من الناس الذين لبسهم لبوس الارتباط الكاثوليكي هذا .

لقد رأينا فيما سبق منهج ديكارت العقلي و لوك التجريبي حتى أتانا  اسمٌ أراد الجمع بين المنهجين و هو لا يقل في الشهرة عنهما حتى في الأوساط غير الفلسفية ، و لقد كنتُ أسمع عن ” نقد العقل المحض ” لكانت و أعرف مدى ثقله قبل أن أعرف عنه تفاصيل فلسفته ، و هذا الجمع الذي قام به كان ممهدا لمن أتى بعده فصارعلمًا كما كان مَن قبله مُسترشدا بأعلام قبلهم ، ذكرنا بعضها و بعضهم الآخر ، و إن لم نكن ذكرناه اسمًا بُغية الاختصار في كلامنا إلا أنّ أثرها اليقيني في الفلسفة أثرٌ كبير و ما تركناه من هذه الأسماء و لم نُعرّج في الحديث عنها ، و لها الأثر الكبير الذي كوّنوا من خلاله الحالة العامة للعملية الفلسفية  .

و لكي نتكلم الآن عن فلسفة كانت و ماهيّتها ، ينبغي أولًا : فهمُ أنّ في العلوم مَن يقوم ببناء مدرسة خاصة به و من يقوم في مقابلها ببناء مدرسة توازي هذه المدرسة ثم يأتي واحد و يقوم بالتلمذة عليهما و الجمع بين المدرستين و نجد هذا مثلا له شهوده في علوم أخرى فنجد مثلا أن فقه الشافعي الذي أخذ فيه عن الحنفية مدرسة القياس و الرأي و عن الإمام مالك مدرسة السنة و عمل أهل المدينة فأتى فقهه مزيج المدرستين ، بل قام على هذا بتأصيل الفقه كلّه في المنهجية المعروفة التي صرنا فيما بعد لا نذكر علم أصول الفقه إلا و نسِمه بالشافعي فصار كل واحدٍ صنو الآخر .

نعود الآن لكانت ؟ يقوم في فلسفته على التركيز على فكرتين : نظرية المعرفة ، و مشكلة السلوك ، و يمكن إجمال الأولى في تساؤل: ماذا يمكن للإنسان أن يعرف ، و الثانية فيما يجب أن نقوم به تجاه هذه المعرفة ؟ .

و لقد جعل له منهجا في النقد يمكن النظر له باعتباره منهجا تحليليا يقوم على الشك في كل شيء ، و قد يسأل المرء عن الفرق بينه و بين ديكارت و كلاهما جعل الشك أساسا لفلسفته ، هنا ينبغي لنا إثارة نقطة و هي أن كانت الآن أمامه المنهج التجريبي ( بيكون ) ، و المنهج العقلي ( ديكارت ) و عندما نظر لهما قام بنقد كل واحد و اصطفى خيريّة كل واحد منهما حتى وصل إلى أن طرق الوصول للمعرفة :

١- إحساسنا بالعالم الخارجي .

٢- الإدراك الذهني الجامع للمتفرقات من المحسوس .

٣- النظر العقلي .

و هنا يقوم بتصوير المعرفة أن شيئا من إدراكها هو كما قلنا منبثق عن الحس بها ، فجعل هذا الحس على درجات أولها الحس الساميّ و هو إدراكٌ ينطلق من الزمان و المكان الذيّن بواسطتهما ينتظم في داخل النفس إحساسها بالخارجيّ ، و يمكن النظر للحس السامي أنه مرحلة في التلقي ، تليها عملية تحليلية يدخل فيها إدراك العقل حتى تُتصوّر في النفس تصورًا له مرحلة أخرى يعتمد على تقسيم المدركَات و تبويبها حسب ماهيّاتها .

و الآن و أنا أنظر لهذا المقال بعد انتهائي منه أجد أن الفلسفة مهما بحثنا في تاريخها و ماهيّات محُبّي الحكمة – كما أطلقها فياغورس – الذين مارسوها سنجد أنّها مرّت بأطوار متعددة ، و هذا المرور هو ما جعل منها مادة أساسية للعملية الفكرية الإنسانية ، إذ أنها أساس من أساسات الفكر الذي أحب تسميته بالفكر الحُر و أقصد به ” حُرًّا ” أي أنه ينزع منزعا لا يعتمد فيه على التقيد بما قاله الفلاسفة السابقون بقدر ما أنه يُعيد التفكير بما قالوه ، إذ أن النقد الفلسفي جزء أصيل في المعرفة الفلسفية ، و هنا ينبغي لنا تسجيل مفارقة ، هل توقفت الفلسفة؟ هل صار اليوم الدرس الفلسفي قائما على السرد التاريخي و النقل الموضوعي و غير الموضوعي لما قاله الفلاسفة الكبار و حسب ؟

لا شك أن هناك مدارس فلسفية قد ظهرت بعد كانت ، بعضها منشق من مدرسته مثل هيقل و فيختة ، و بعضها لها مشاربها الخاصة بها ، و بعضها بينَ بينَ ، و لكنها تظل علامات بارزة و إن لم نتطرق لها[22] ،  و لكن سنرى مع ذلك أن هناك ثابت على مر التاريخ يرجع لظهور تيار فكري في مكان و زمن محددين ينطلق منهما ما يمكن تسميته بخط عام يندرج تحته كثير من الخطوط المتشعبة ، و مع ذلك تظل لحظات ركود قد تطول و قد تقصر ، فالذي يتبصر في فلسفة أرسطو مثلا و يرى الركود الذي صار بعد السنين الطويلة التي برز فيها فلاسفة اليونان-  و الذين بالمناسبة كانت لهم معطياتهم التي يمكن بحثها بشكل لاحق لتعليل ظهورها – حتى ليظنّ الباحث أنه لن تحدث طفرة فلسفية مُشابهة حتى مرّت مئات السنين و أتت ما يمكن تسميتها طفرة بما حدث في الفلسفة الإسلامية إبان الترجمات الشهيرة وقت المأمون و ما بعده ، و قد مثّلت حالات اندماج مع الوسط الإسلامي الفكري و إن كان في نتائجها من حاد إلى فلسفته الخاصة إلا أن كثيرا من الفلاسفة قد تأثروا بأرسطو بشكل قوي – مثل ابن رشد – و لكن من يدري إذا كان أرسطو نفسه لم يكن متأثرا بما قبله ، إذ أنها سُنة العلم أن يبني الواحد على الآخر؟

و ظلت سنوات طويلة بعد ذلك حركات الترجمة و حركات الفلاسفة المسلمين و هي تمتزح بالفلسفة القديمة و قد تشكّلت فيها ملامح لفكر مُركّب كما ذكرنا حتى عاد الركود مرة أخرى ليخرج لنا مَن تناولنا من فلاسفة عصر النهضة ، فهل يمكن لنا أن نسمي ما نحن فيه في زماننا حالًا من الركود ؟

أنا بطبعي لا أميل إلى التعميم في المسائل الفكرية أو التأصيلية و لكن لا غرو أن العالم يُعاني الآن من ركود في الحالة الفكرية العامة ، و جزء من ذلك هو حال الركود الفلسفي ، و أظن أن بواعث ذلك كثيرة و قد يكون من ضمنها :

١- ضعف بواعث التأمل لدى الإنسان المعاصر بعكس سابقه و الذي كانت فُرص تأمله أوسع من سواه .

٢- سيطرة العملية المدرسية بنمطها القائم على التلقين في العملية المعرفية و التي كان يُقابلها في الماضي مدرسة المناظرة و المحاورة و هو ما تجده مثلا عند الرواقيين[23] و ما ظهر في محاورات افلاطون [24] مع تلامذته أو ما روي عن محاورات سقراط مع السفسطائيين و هو نفسه الذي كان حاضرا في المُناخ الإسلامي القديم في عصر المأمون مثلا و المناظرات في مسألة من أهم المسائل الإشكالية في الموروث التاريخي الشرعي و هي مسألة خلق القرآن[25] و قد تناول كثير من هذه المناظرات ، صالح بن الإمام أحمد في الكتاب الشهير ” المحنة : محنة أبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ” و ما كان يجري كذلك في نفس العصور من مناظرات في بلاط الخلفاء و الوجهاء أو حتى في المساجد نفسها – مثل ما حدث في المرويات عن أبي حنيفة و ماروي عن أكثر من عالم في ذلك العصر، بل حتى في العصور اللاحقة ، حتى ليكاد يكون سمة لهم ، و لك أن ترى أن المعتزلة نفسهم ينسبهم المؤرخون لاعتزال واصل بن عطاء حلقة الحسن البصري و وجود حلقتين متنافستين يولّء مناظرات بين تلامذة الحلقتين[26]  – سواء كان في الفقه أو في الرأي أو في الشعر ، و حتى أنّ هذه المناظرات كانت جزءا من خلود كثير من مفردات العربية- مثلا – و شاهد هذا في الأشعار التي ابنعثت من شعر الفرزدق و الذي كان المُولّد الأهم في تحفيزه هو المحاورات مع خصمه جرير و لو نظرت لسياقات ذلك – حضور المناظرات – فقد تجده حاضرا كذلك في عصر النهضة و هو أمر لم أبحثه ، و إن كنتُ سلّمت بأهمية المناظرة رغم ذلك في العملية التعليمية و في الحالة الفكرية العامة .

٣- التسليم المُبالغ فيه للرموز الفكرية و الفلسفية الذين وصلوا إلينا ، فنجد أن التسليم مثلا بكلام نيتشة ، هيقل ، كانط ، ديكارت .. و غيرهم هو تسليم مُطلق ، و يكفي أن تقول أي هُراء و تضعه بين علامتيّ ” تنصيص ” ثم تُتبعه بأحد هذه الأسماء ليُوسم هذا الكلام بثِقلٍ ما يفرضه هذا الاسم و حمولاته التاريخية و الفلسفية ، و نعم كان هذا بالتأكيد حاضرا في كل عصر ، و هو طبع إنساني أصيل مِن تقويم الكلام حسب مكانة قائله ، و لكني أظن أن كثرة الرموز التي يحملها التاريخ الإنساني جعلت من هذه العملية أكثر تعقيدا بعكس ما كان عليه مثلا الفلاسفة في عصر النهضة حيث كان رموزهم البارزين في الفلسفة لا يتعدّون أصابع اليدين ، و حتى أفكار هذه الرموز محصورة في كتب قليلة فلو نرى أرسطو مثلا و الذي كان من أكثر من وصل لنا في الغزارة الكُتبية فإنّ له كتب محددة و أهم هذه الكتب : ” الميتافيزيقيا ” و ” الأخلاق ” ، و لكنك اليوم مثلا لو قمت برغبة داخلية بالتفكير الفلسفي فأنت تحتاج للقراءة لبرتراند راسل و هيقل و كانط و ديكارت و الفارابي و ابن رشد و الغزالي و و .. و القائمة تطول و كل واحد من هؤلاء ينبغي لك قراءة كتابين له على الأقل ، فماذا سيبتقى من تفكيرك الحر الذي تكلمنا عليه قبلُ ، بعد ذلك ؟.

٤- تكوين رموز اقتصادية و جماهيرية شعبوية جعلت من تأثير المفكرين مُنضوي بشكل كبير ، فيمكنك أن تجد تأثير رجل أعمال مثل ايلون ماسك و حضوره في الرأي الجمعي بشكل أكبر بكثير من حضور ديكارت مثلا ، أو حضور أحد ما يُسمون ” المؤثرين” في وسائل التواصل الاجتماعي و تأثيره على الرأي الجمعي أكثر من تأثير المنقذ من الضلال للغزالي مثلا .

و كل هذا هو ما ينبغي لنا النظر له كعملية تحديثية للتكوين القيمي لدى الإنسانية ، فبعد أن كان يُحرّكها الأنبياء ، ثم العلماء و المفكرون و الفلاسفة – بجيّدهم و فاسدهم – صار اليوم يتحرك الناس من خلال الرأي الجمعي الذي يُشكله الاقتصاديون و المؤثرون و هو مبحث طويل يمكن التعقيب من خلاله على كتاب سيكولوجيا الجماهير لقوستاف لوبون يوما ما كأصل يُنطلق من خلاله .

انتهى ١٦/١٢/٢٠٢٤ مقهى تالنت شارع فلسطين جدة الحمراء .


[1]و هم أربعة نبغوا في إيونية في القرن الثاني عشر من الميلاد و هم طاليس و أنكسيمانس و أنكسميندريس و هرقليطس في أفسس ، كرم، يوسف. 2018. تاريخ الفلسفة. هلا للنشر والتوزيع، ص 25.

[2] كرم، يوسف. 2018. تاريخ الفلسفة. هلا للنشر والتوزيع، ص 28.

[3] حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ” وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ ” كل أمة كان لها رسول ، الطبري ، جامع البيان ، ط دار التربية و التراث .

[4] الطبري ، أبو جعفر.. جامع البيان. ط دار التربية و التراث ، ج١ ، ص٤٨٤ .

[5] هم في الأصل معلمو البيان و الخطابة و لكنهم أصبحوا مغالطين و جدليين فتحول المعنى مرادفا لذلك ، ، كرم، يوسف. 2018. تاريخ الفلسفة. هلا للنشر والتوزيع، ص ٣٥.

[6] بنفس السياق و السعة التي وصلتنا لأفلاطون و أرسطو فيما بعد و لا نغفل هنا أهمية سقراط و لكنّا نقارنه بأفلاطون و أرسطو و هو ماجعل لفظ المعلم الأول يرافق أرسطو فيما بعد .

[7]  كرم، يوسف. 2018. تاريخ الفلسفة. هلا للنشر والتوزيع، ص ٧٧.

[8] “ومن أسباب ذلك هو حلم المأمون الذي رأى فیه أرسطو جالسا على السریر وسأله َ المأمون:” ما الحسن؟ فقال أرسطوطالیس: في العقل، ثم قال له ُ ن ما ح : ثم ماذا؟ فقال: ما َ س حسن في الشرع، ثم تابع قوله ما حسن عند الجمهور”، فیشیر ابن الندیم أن هذا الحلم من العوامل التي حفزت المأمون للاهتمام بالفلسفة “، تاریخ إشكالیة النقل الفلسفي من الیوناني إلى العربي العصر العباسي نموذجا ، بخديجة سهالي ، دربالي أسماء ، جامعة قاصدي مرباح ، كلية العلوم الإنسانية ،٢٠١٥ .

[9] طه عبدالرحمن ، بودكاست الشرق ، سيرة فكرية .

[10] فرقة من الفرق التي تكونت في التاريخ الإسلامي  لهم بعض المبادئ التي خرجوا فيها عن السنة و الجماعة و منها قولهم بأن القرآن مخلوق ، و عزلهم صفات الله سبحانه و تعالى .

[11] كرم، يوسف. 2018. تاريخ الفلسفة. هلا للنشر والتوزيع، ص ٢٨٠ .

[12] هو مذهب يمكن النظر لانطلاقه أنه مُنطلق من ” الإحسان” المذكور في حديث سيدنا جبريل المشهور ، و قد انقسم في هذا المذهب أتباعه لأئمة خير و هُداة و منهم الإمام الغزالي و القشيري ، و انتسب له مَن انحرف عن الجادة لتظل مقولة الرجال يُعرفون بالحق و لا يُعرف الحق بالرجال هي الضابطة لهذا المذهب و هو مسار طويل من مسارات التزكية للنفس و له أربابه و طُرقه و مباحثه .

[13] و الذين كما ذكرنا كان بعضهم باعثا لأفكار أرسطو بشكل أساس و التي امتزجت بالفكر الإسلامي لتكوّن فلسفة كل واحد منهم و بطبيعة الحال لا يمكن الجزم بذلك لكل الأسماء المذكورة في السياق و لكن يُمكن النظر لها كسمة عامة للمرحلة .

[14] الآية ٢٣٤ من سورة البقرة .

[15] أنَّ أبا هُرَيْرةَ وابنَ عبَّاسٍ وأبا سلمةَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ تذاكَروا عدَّةَ المتوفَّى عنها زوجُها تضعُ عندَ وفاةِ زوجِها ؟ ! فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: تعتدُّ آخرَ الأجلينِ، وقالَ أبو سلمةَ: بل تحلُّ حينَ تضعُ، فقالَ أبو هُرَيْرةَ: أَنا معَ ابنِ أخي، فأرسَلوا إلى أمِّ سلَمةَ، زوجِ النَّبيِّ فقالت: وضعت سُبَيْعةُ الأسلميَّةُ بعدَ وفاةِ زوجِها بيسيرٍ، فاستَفتَت رسولَ اللَّهِ فأمرَها أن تتزوَّجَ ” الراوي : أم سلمة أم المؤمنين | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح النسائي ، الصفحة أو الرقم: 3512 | خلاصة حكم المحدث : صحيح ، المرجع : الدرر السنية .

[16] كرم، يوسف. 2018. تاريخ الفلسفة. هلا للنشر والتوزيع، ص ١٣١ و قد نقلتها باختصارها لا نصا .

[17] و أضعها بين قوسين تجاوزا

[18]كرم، يوسف. 2018. تاريخ الفلسفة. هلا للنشر والتوزيع، ص١٦٥- ١٦٦ مع التصرف بالنص .

[19] “في المؤتمر العاشر للفكر الإسلامي، الذي انعقد في عنابة في الجزائر عام 1971، كشف عثمان الكعاك (1903-1976) عن حقيقة أذهلت جميع المؤتمرين، ذكر أن محمد عبد الهادي أبو ريدة (1909-1991)، الذي كانت تربطه بالكعاك علاقة وثيقة، طلب إليه أن يعاونه في عمل بحثي يتوفر عليه أبو ريدة بخصوص تأثير الغزالي في الفكر الغربي، وبما أن الكعاك كان يعمل أميناً عاماً للمكتبة الوطنية، فإنه استطاع أن يصل إلى مكتبة ديكارت، فوصل إليها وبدأ يطالع، وفُجئ الكعاك بنسخة من كتاب الغزالي “المنقذ من الضلال” مترجمة إلى اللاتينية في مقتنيات ديكارت، وبقلم ديكارت خطوط حمراء تحت أكثر من فكرة من أفكار الغزالي، منها قول الغزالي “الشك أولى مراتب اليقين”، ومكتوب عليها “ينقل هذا إلى منهجنا”، أي إلى كتاب “مقال في المنهج”، وهذه سرقة واضحة بخط ديكارت نفسه ” من مقال هل ديكارت سرق من الغزالي؟  لعماد الدين الجبوري ، اندبندنت العربية ، ١٨ فبراير ،٢٠٢١ .

[20] كرم، يوسف. 2018. تاريخ الفلسفة. هلا للنشر والتوزيع، ص ١٧١

[21] كرم، يوسف. 2018. تاريخ الفلسفة. هلا للنشر والتوزيع، ص٢٣١

[22] و من ضمنها فلسفة برتراند راسل ، و سارتر .

[23] و هي مدرسة تقوم على المذهب المادي  كرم، يوسف. 2018. تاريخ الفلسفة. هلا للنشر والتوزيع، ص ٦٨.

 

[25] و لا أتكلم عن القسر على قول الخلق بالقرآن فهو مسار متطرف فيها و لكني أتكلم عن وجود المناظرة كجزء من المُناخ العام حتى لو كانت الحالة العامة تعتمد على القسر .

[26] و لا شك أنّا لا نتكلم عن صواب عقيدة المعتزلة أو عدمه و ليس أمرنا الآن ردّ باطلها بل سوْق الحالة العامة وقتها .

أضف تعليق