الجماهير بوصفها كتلة واحدة – مراجعة ليسكولوجيا الجماهير قوستاف لوبون – 

Photo by asim alnamat on Pexels.com

***

لقد تكلمنا عن الجماهير و “عما” يحركها .. أفلا نأتي إلى ” من ” يحركها ..؟!

لكي يستيطع القائد اللذي يودّ الوصول إلى مبتغاه , و ينال من الناس ما يصبو إليه فعليه أن يتبع ما يقوله قوستاف في هذا الأمر .. و إن كنتُ بدأتُ أراه قد سرى سيرة ميكافيللي في نصائحه هذه و لا أقول هذا تجريما له .. فالكتاب كله عبارة عن سكّين و الأمر كله على من يستخدمها , خير استخدام .. و لكن هو شعورٌ بدأتُ بالإحساس به و أنا أتلو شيئا من كلامه ..

يذكر مصلطلحاتٍ واصفا بها وصفة للقائد الذي يريد تحريك الجماهير لغايته : ( التأكيد .. التكرار .. العدوى ) .. و نبدأ بالتأكيد .. فالقائد اللذي يؤكد و هو يحظى بهيبة شخصية يمتاز بها ما يريد من فكرة أو شعار… لهو القائد اللذي سيحظى بما يشاء منهم .. و هنا , أحب أن أنزل بمثال من الماضي و هو مثال جمال عبدالناصر اللذي كان لا يفتقر إلى الهيبة بل إن مافيه من هيبة و حضور , كانا يجعلان كلامه عند بعض الناس و كأنه وحيٌ مُنزّل .. حتى إذا ما أخبرهم بشئ و أكّده أكثر من مرة .. و ما عليه إلا فعل ذلك .. فسيجدهم بعدها مصطفين مهللين به و باسمه ..

ثم نأتي إلى ” التكرار ” .. و يذكر مثالا في كتابه نال مني مناله , و يذكر على ذلك , فرضية .. لو أن اليوم كُتب في الصحيفة أنّ فلان وغدٌ و صارت الصحف كل يوم تعود فتكرر هذا الأمر .. فسيأتي اليوم اللذي تخرج مقتنعا من أنه وغد و إن كان غير ذلك .. و إن هذا لو حدث فسينتقل بين الناس اللذين يحملون صفات ” الجمهور ” ..

انتقال ” العدوى ” بين المرضى في مكان واحد .. فلو تشرّب واحد و اثنان و ثلاثة ثم مجموعة فكرة ما ستنتقل مثل العدوى لبقية الجمهور و هذا هو التأثير الأخير اللذي يمكن لقائدٍ استخدامه في السيطرة على اتباعه .. سواء كان بطريقة ميكافيلية أو عُمرية ..

***

قد انتهينا من شقّين يجعلان الكاتب قد فصّل في شأنيهما و كأنه أتى ببدعٍ من الكتب .. و لا يستقيم هذا .. حتى نأتي في آخر أمرنا إلى تقسيم الجماهير و وصفها على أنواعها , فهي عنده متجانسة و غير متجانسة , و أما الأولى فمثل ” زمرة ” من العسكريين اللذين لهم نفس المهنة و بالتالي نفس الحالة و الظروف .. و الثانية هي ” الطوائف ” , كطائفة الكاثوليك عند النصارى و الثالثة هي ” الطبقات ” مثل طبقة فلاحين أو نبلاء أو برجوازيين .. إلخ من الطبقات المكونة للمجتمع و اللتي لها نفس العوامل اللتي كوّنتها ثم يأتي عندنا الجماهير غير المتجانسة و أشهر مثال عليهم هم جمهور الثورة الفرنسية , اللذين كانوا خليطا من أهل العلم إلى أهل الأدب إلى الصُنّاع و المساجين و بعض من انضم إليهم من النبلاء ذوي المكانة و اللذين تخلّوا عن مكاناتهم و امتيازاتهم تبعا لرأي الجماهير مفتقرين عن عقولهم و هذا المثال – تغييب العقل للفرد وسط التأثير الجماهيري –  يدلل عليه ذلك اللذي كان طاهيا و قد حضر من قبيل الصدفة مشهد الجماهير اللتي خرجت من سجن الباستيل  و هي تعذب مديره و تريد قتله حتى إذا ضرب شيئا من جسده خطأً , فطلبوا منه أن يقتله بنفسه , ثأرا لهم و له .. ففعل لولا سيف ناولوه إياه فلم ينكسر به عنقه لضعفٍ كان في السيف .. ثم أخذ سكينا كان يستخدمه في الطبخ .. و سفح دمه .. و كل هذا و هو يرى نفسه بطلا يجب أن ينال حظوته و قد يكون ليس بينه و بين الرجل سوى ما يكون بين الواحد و مديره و لكنه تأثير الجماهير الذي ذكرنا، و غيره مثلا كالذي فعل ما يشبه هذا و رأى أنه يستحق وساما على فعله ..

إن كل هذا يحدث لأشخاص لو كان كل واحد منهم في معزل عن الآخر لما فعل عُشر ما فعلوا و لكنها سلطة الجماهير و تأثيرها اللذي يجعل الآلاف منهم و كأنهم بلا عقل .. و كأنهم محكومون بشيطانٍ واحد ..

و قد يأتي صاحب النقد لهذا الكلام فيخبرنا أن هذا حدث لأن هؤلاء جماهير عوامّ لا علم عندها و لا فهم .. فهل هذا يمكن لنا أن نقوله أيضا على جماهير من نوع المجالس البرلمانية ؟

تمتاز جماهير المجلس البرلماني   بأن لها خلفيات ثقافية و علمية أكثر من غيرها .. فهل هذا كافٍ كي يخرج منها قرارا صائبًا ؟!

تمتاز المجالس البرلمانية بأن كل عضوٍ منها يحمل خلفية ثقافية تجعل منه متحيّزٍا لفكرته و حزبه , فما إن يبدأ نقاشٌ أو تداول مسألة في أمر ما , حتى يخرج منه النزق و الغضب دفاعا عن رأيه , و أما إذا صار هناك تصويتٌ على قرار ’ فإن محتواه قد يكون خيرا من سواه و لكن تأثر البرلمانيين بفصاحة أحدهم أو بلاغة الآخر قد تجعل من السئ حينا و من الحسن سيئا فتغدو الآيات مقلوبة , و الكلام يصير في نُسُقٍ غير مُحكمات و كأنها طلسم ساحر أو نص محرّف و إن كان في خير كتاب ..

و تظل النفس حائرة في الجماهير , و أمرها .. أهي أكوامٌ من أُناسٍ قد فقدوا عقولهم و أسماعهم .. أم هم أناسٌ يجري عليهم مجرى كل شئ ففيهم أهل النزاهة و التريّث , و إن كان غالبهم النزق و الجهل ..

و إني بعد أن أنهيتُ كتابًا حُمّل في ألواح الأسفار لما يقارب القرن .. لمُتعجب من أن رجلين مثل قوستاف لوبون و من قبله ميكافيلي قد أعطيا وصفاتٍ و صفات ,  يمكن لكل باغي خير أن يستخدمها .. و ينتفع بها لأجل الحق و بالحق .. فأعجب على هذا .. من أنهما في كل مكانٍ قد وُجد كتابهما .. و لكن لم توجد ترجمة لهذين السفرين على الواقع إلا فيما ندر .. فهل يا تُرى أن المفقود إذا صار جليًّا واضحا , زهدت الناس فيه و لم ترغب .. إنّي حقا لا أدري ..!ل

أضف تعليق