كحالة من الحالات التي لا أعرف ما أُسميها ، أنت مُضطرٌ لإنهاء الرواية ، و ليس الاضطرار هنا كنتيجة حتمية لممارسة الإكراه و إنما هو من حالات الوفاق الضمني التي أمضيتها بينك و بين الكاتب ، حالة من حالات غمز العين الذي يكون بينك و بين آخر فيفهم كل واحد ما لدى صاحبه من كلام ، و يتفقان على الفعل نفسه ، هكذا دون كلام ..
هكذا بدأت نجوى معك ، تخبرك أن الرواية ستكون رواية جيدة ، و تبدأ بإلقاء الخيوط عليك ، لكنها ليست كغيرها تقوم بإلقاء الخيوط المتشابكة من الصفحات الأولى بل تسحبك بوتيرة بطيئة ، من خلال السرد الذاتي ، ليحيك في نفسك السؤال الأبدي هل البطلة الساردة هي نفسها الروائية ؟ لتُجيب هازّا رأسك في وتيرة تلقائية ، لا يهم .
تنسحب في حالة من القِدم الزماني ، ليست بالبعيدة ، شيء ٌ في بداية السبيعينات ، حقبة غزيرة في الوطن الذي اختارته حيّزا لروايتها ، ليبيا ، فهل قرأت كثيرا عن ليبيا بوصفها وطنا للرواية ؟ كلنا كان حبيسا للحيز المصري أو المغاربي ، و لكن هناك في المنتصف منطقة وسطى حالة من حالات الرمادية اسمها ليبيا ، تجدها حتى في كتب التاريخ بوصفها الفتح الذي كان بعد مصر و قبل برقة ( تونس ) في المنتصف ، لا هي هنا و لا هنا ، غرزت فيها قلمها ، هكذا حتى تخبرك أنّ هذا الوطن ليس وطن المنتصف و إنما فيه ما فيه من السياق الذي يجعله مصرا الخاصة بنا ، أو يجعله المغرب الذي يُحيك لك حالة من الغموض المرتبطة بالمجهول ..
هكذا تصلني و هي تمرّ لمامًا على تأثير تحولات مصر على وطنها ليبيا فيما كان يحدث لها مما حفظنا عن عبدالناصر و السكرة العامة التي كان يُخوض بها الجماهير و هو يرتجل الكلام مثل فارسٍ دون كيشوتي قادمٍ من ملفات الروايات القديمة الحاملة في اهترائها عفن السنين .
فتمرّ عليه كحالة مرافقة لتفهمك أنه كان الفارس الحلم عندنا كما كان عند المصريين ، فتدخلك في حالة التأميم و الاشتراكية و هي تُجرد الناس من كل شيء لتقول لك ” لقد عانينا ” كما عانى هؤلاء ، لكنّا لم نتكلم ، ربما لأن حالتنا الروائية ليست مثلهم و ربما لأن ليس كل اللوعات يمكن الكلام عنها ، إذ أن بعضها يطول و يطول حتى لا يجد صاحبها فراغا للكلام عنها .
لقد خرجنا عن سياق المراجعة ؟ لا لم نخرج ، فهكذا كانت الرواية ، حالة من حالات توثيق التاريخ الليبي المعاصر ، حالة من حالات القول ” أنا ليبيا ” بوصفها عنصرا من عناصر التكوين العربي في الجغرافيا المعاصرة ، من خلال توأمين ، ريم و ثانية لم تذكر اسمها ، و كلامها عن ريم كان من خلال صوتها نفسه كساردة للأحداث .. فلمَ تحتاج لمعرفة اسمها ؟ .. أنت لن تعرفه إلا في الصفحات الأخيرة ، لماذا ؟
لأنها كما اختارت طوال حياتها السكوت خوفا من التأتأة ستُجبر عليه بوصفه الدواء الذي لا مفر منه في صورة الموت لتأتيك أختها في صدمة لك فتكون هي الساردة التي تخرجك مع التآلف الذي تشربته و أنت مع الصوت الذي رافقك خلال كل مسيرة الصفحات التي عبرت ، لتأتيك الأخت و تتكلم معك ، يتداخل السفر المتعلق ب ريم مع المتعلق بأختها، حالة تتشابه مع عدم تمييز الناس في النص بينها و بين توأمها و كذلك أنت لن تميز الساردة الآولى من الساردة الثانية في البداية ، و قد تجد ذلك مُشتتا ، حتى يرد لك اسم ” ريم ” للمرة الثانية بعد مرة وحيدة على لسان حبيبها ، فيكون كأنه الطُعم الذي يسحبك لليابسة فتتنفس الصعداء للمرة الأولى ثم تغمرك في البحر مرة أخرى فتلتقط نفسسًا مصحوبا بالملح و بالدم حتى ترمي لك طُعما سواه ، قتلتْها ، لأنها كان لا مناص من موتها .. ثم تتركك تتنفس و تتنفس و تخاف و تقلق حتى تُلقيك أخيرا فتخبرك بالسبب الذي جعلها تترك مهجرها و تعود إلى بنغازي ، كحالة من حالات اللحاق بالموت من خلال الهرب منه .
طوال الرواية و هي محافظة على خط عام من السرد الذاتي ، الذي لن تملّ معه ، و لكن هناك فقد لحالة من مفصل معين تتمنى لو كان حاضرا ليجعلك لا تريد ترك الرواية يوما واحدا ، ذلك المفصل الذي يجعلك تتعلق بالأبطال ، تخاف عليهم ، تخشى النوم قبل معرفة ما حلّ بهم .. ذلك لم يحدث .. أنت ألِفتهم ، عاشرتهم ، لكنك لم تحبهم و كذلك لم تكرههم ، حتى شخصية الأب الذي مات في بداية الرواية ، تمنيت لو تم عمل بناء درامي له يُساعد في صناعة خط معين يمكن ربطه بالابن أيوب ، حالة انتقامية ، رحلة بحثية ، شيء يكون مرافقا للخط العام القائم على السرد الذاتي ، حتى يظل القارئ طوال الرواية خائفا على أبطاله .
كان الجزء الأخير هو الجزء الذهبي ، بتسارع الأحداث و اختلافها ، الجزء الذي تتمنى لو كانت الرواية كلها على هذا الاتساق ، و لكنها مع ذلك كانت من أجمل ما قرأت في الأيام الأخيرة .
يبقى عندي تعقيبٌ على بعض الجمل التي كانت بشكل أو بآخر و هو الذي تكلمت عنه من قبل ، في مسألة الإلقاء بجمل ، سطحية تُهاجم الدين ، شئٌ يشابه ما لدى مَن يُلقي بتغريدة عامة غير مبنية على ركيزة واضحة و لكن يرميها على لسان بطل من الأبطال و في مقابلها لا يزن ذلك من خلال حوار يُناظره ، بل يكتفي برميها بين كل فصل و آخر .. و هذا إشكال الإشكالات لديّ و لكنّي اعتدت في مراجعاتي على تناول الناحية الفنية ، و إن كنتُ لا أرى ذلك إلا جزءا من الناحية الفنية كحالة من حالات التفكير الذاتي للكاتب من خلال بطل أو آخر .

أضف تعليق