أُمسك بلوحة المفاتيح و التي بحكم العادة التي لا زالت حاكمةً عليّ كنت سأقول بدلا عن الإمساك بها بأني ممسك بقلمي .. قلمي الذي يقف في حالة من التجلي .. و التجلي عند صاحب الكتابة مثل حال من التجرد مما لديه ، عرفانا بالذي عند غيره .. و هو هذا الذي أخذ نفسي في حالة من السردية و لا أقول أنها سردية الحكاية ، فهذه من بدهيات الروايات الجيدة ، و إنما هو حال من الانسياق في تعاقب من الأزمان الذي يغلب عليه في الرواية أن يصل ذروته إذا كان يتكلم عن ” عائلة ” و ما أصاب ذويها .. حالة و أنت تقرؤها في سردية الغلاف ، تجعل منك في حالة قلق على الكتاب الذي أنت مقبل عليه و تحاول كسر الجليد بينك و بين صاحبه ..
تتدفق الدماء في جسدك . تزداد نبضات قلبك و تقول سأعطيها فرصة و أنت تكرر كل ما عرفت من روايات تحضر في خلفية ذهنك ، كانت قد كُتبت و البطل فيه هو العائلة ..
ماركيز في مئة عام من العزلة ، تكون أكثرها حضورا مثل الظل الثقيل و قد بدأت المتن بمشجرة العائلة لتستفر في نفسك حالة القلق هذه ، و تجد أن القلق هذا هو بداية الخيط الذي تسحبك من خلاله الكاتبة لتجبرك على دخول التحدي ، تتنتهد مثل مقبلٍ علي مغامرة لكاتبة لم تسمع بها ، لا لضعف قلمها و إنما لضعف اطلاعك .. تتنهد مستجمعا حالة القوة التي منحتها نفسك في الخوض بشراء رواية لاسم مجهول بالنسبة لك ..
تطمئن نفسك بأن علي غلافها ” حازت على البوكر ” مثل صك غفران يبيح لها أن تصنع ما تريد حتى لو لم تعجبك .. حسنا حسنا !
لكن ما عدد الروايات التي خيبت أملك و علي غلافها أسماء البوكر و نوبل و الكومار الذهبي ؟ تعود للقلق الذي بدأت به و كأن الحالة ، هي حال دوامة لا انفكاك عنها ، تقرر أن تكمل السباق مراهنا على فرسك الذي للتوّ قد عرفت اسمه .. تبدأ بالصفحات الأولى لتجد صعوبة في اللغة ، هي الصعوبة التي تجد أذنك ثقلا في سماعها أول مرة لمن يتكلم معك .. حتى تألفه و كأن الكلام الذي يقوله إنما خُلق ليُلقى على مسمعك ، تبدأ بالمثول أمام الأسماء و هي تتقاذف أمامك .. هند .. الطاهر الحداد .. تقنع نفسك ، تحمل ، الرواية تستحق ..
تبدأ بالولوج في بيت العائلة و الخادمة الأثيرة تحكي لحفيدة الجد الأكبر بحدث هز كامل العائلة ..تدور في ذهنك أن الحادث الذي سيكون هو حالة من العنفوان الذي لا مناص منه ، و لكن تأتيك و تقول لك ، لا تهتم ل ماهية الحدث و تدع لك حكايات الخدم تتداخل مع حكايات أرباب البيت و في الزاوية البعيدة تتراءى لك البطلة الأساس للعمل كله ، و لا أقصد الكاتبة بل – زبيدة – عنصر الأساس في كل الأحداث ، و لكنها هي الاسم المحكي في الشفاه .. الغائب عنك صوته .. تظل في تردد .. فتارة تحبها لأن الذي يتكلم أحبها ، و تارة تمقتها لأن الذي كان يحكيك ، ممقت لها .. و تظل على هذا الحال في كل فصل بين الحمو و الزوج و الحماة و الأم ، و كأنك في تجل موسيقي يصعد بك و ينزل وكأن الذي يحكي لك لا روائية و إنما واحد من مجانين عصر النهضة الذين لا زالت دور الموسيقى تعبد نوتاتهم ، لتصعد بك المشاعر و تهبط و كأنها خفقانات قلبك و جنون الحركة في دمك ..
الشخوص الشخوص .. هي خط تبدؤه معك في البداية ثم تقطعه ثم ترميه وسط الرواية ثم تعود لتسحبك لنفس الخيط الذي ألقته أول الأمر ، و ترمي لك الطُعم في الفصل الأول لتجد أنه يصيدك في الفصل الأخير لتجد أن ما قاله تيشكوف في مقولته الشهيرة التي أسس فيها لتراتبية كل حدث تضعه في القصة بأنه لابد أن يكون له غاية فيقول عن المسدس الذي لو أشرت له في أول قصتك ، فلا بد من ذكر لغاية وجوده فيما بعد .. و هذه هي الحرفة التي أتقتنها الكاتبة لتجد نفسك غارقا في الربط و كأنها خيوط تُلقى الواحد تلو الآخر حتى تستقر في غاية المطاف و قد اجتمعت كلها في حجرك لتقول ” الله . الله ” و أنت في حال التجلي الذي يصيب مستمعا للموسيقى السرمدية ..
اقرأها لا لتقرأ رواية جيدة ، فمئات الروايات تحمل لك هذا الصنيع ، و لكن لأن عوالم كثيرة من حقك العيش فيها و أمنة أخرى ينبغي لك عدم تفويتها .. و الشخوص .. الشخوص … قل لي حين انتهائك منها ما تركه فيك عثمان النيفر .. الجد الكبير .. و مالذي تمنيت أن تفعله في محسن و كيف بكيت على زبيدة .. و كيف دُخت في حال من الشد و الجذب مع ما وراء لويزة كحالة من اللا صدق و اللا كذب الذي تدعك ضائعا فيه .. هل أرادت بهذا جعلك واحد من أبطال روايتها تائها بين الحقيقة و السراب ليظل حال السراب ماثلا في نفسك .. فتستكمل باسمك المشجرة التي وضعتها في أول صفحة ؟

أضف تعليق