كيف يمكن لك نسيان كريمة و هي التي أول ما يرنّ على مسمعك اسم الرواية ، تكون الحاضرة فيك لا بوصفها البطلة لها بل بوصفها المرأة التي شفقت عليها من الوقت الذي كُسرت فيه و هي لا تزال في بداية عمرها و فرحت معها و هي فيما بعد السبعين و هي تصرخ ملوحة بالفرن و بالانتصار ؟
كريمة و حمزة ، كل واحد منهما يذهب بك لعالمه و كأنك تحاول فهم ماهيّة الحدث في حالة من السرد الذي لا يمكن لي أن أقف عنده كثيرا فعلى رغم جمالية قلم كاتبها إلا أن ثغراتٍ فيها ، كنتُ أتمنى لو دخل في مسار السعة الذي يجعله يتجنبها ، و من أقربها لذاكرتي – و الذي قد يكون فيه الحرق على الذين يتحسسون من ذكر مواقف الروايات مثل الذي يتحسس من مرض قد يقضي عليه – هو مشهد التقاء حفيدة حفزمة بحفيد كريمة بعد خمسين سنة ، مثل مشهد حالم لا يمكن له الوقوع إلا في زمن تكون فيه العنقاء و الخل الوفي هي الغالب و الأساس .
لقد أخذتني الرواية في حالة تاريخية لذيذة لأجمل الفترات التي أحب القراءة عنها و من كثرة قراءتي عنها أظنني دخلت في حالة من الفتور تجاهها ، كنت أظن أن من الصعب على كاتبنا أن يخرجني منها ، و لكنه فعل من خلال ما يمكن أن أسميه ” رواية اللاحبكة ” ، رواية ليست بتلك التي يحدث فيها جريمة في بدايتها فتظل في حالة من الأسر للبحث عن القاتل ، أو تلك التي يربط البطل نفسه بقضية فيظل يدافع عنها طوال السرد ..
لم يدخل في ذلك المسار .. و إنما عكف على فكرة ما أسميه ، التغير في النظر بين العاشقين ، لا أن الحب ذهب بل لأن الذي حولهم قد غيرهما فجعل من كل واحد أو على الأقل من أحدهما واحدا غير الذي كان من قبل ، جسدا بلا روح .. أو روحا في جسد غير الجسد الذي كانت فيه من قبل ، فيبتسم متفاجئا دون أن يثير فيه الغيرة ، طلب صديقه السبعيني الزواج من كريمة السبعينية ، مثل حالة من حالات السريالية التي يمكن أن تصيب الأبطال و لو كانوا – أبطالا – .
حمزة .. ترفع قبعتك له احتراما طوال مواقفه .. حتى يرد عليك هذا الموقف الأخير ، فتعزى نفسك بذهاب شخصه الأول الذي كنت تحترمه ، و دخوله في شخص آخر لا تملك أن تمقته ، لماذا ؟ لأنها كما هو عند السينمائيين ، هو كذلك عند الروائين ، للشخصيات المنحنى الذي يبدؤن منه و ينتهون عنه ، و لا يعني هذا اختلاف دواخلهم ، بل لأن الزمن كفيل بألا يُبقي كل شيء كما كان أول مرة و لكنه وسط هذا يُبقي شخوصا كمحاولة لمسايرة الحياة ، كما هم ، لا يتغيرون و لا يتبدلون ، و لكنهم استجابة للذين حولهم ، و كذلك كانت كريمة .
لقد اعتمد بين الفصول بوضع فواصل لا علاقة مباشرة لها مع الشخوص ، و لكنها أقرب للخلفية التاريخية للأحداث مثل عبدالناصر ، المشير ، صلاح نصر و تلك القائمة الطويلة التي كانت تكتب في أجندتها تاريخ مصر في منتصف القرن الماضي و صارت اليوم حالة تاريخية تدخل في حياز النقد ، و الذي على أساسه دخل الكاتب في تكوينات تنطلق من تكوينهم لهذه السردية .
إن أهم ما استند عليه هو المعرفة التاريخية بالتفاصيل اليومية للحياة في الستينيات ، و أظنها هي العنصر الأقوى في الرواية بعد سلاسة قلمه و بناءه المنتظم لشخوصه ، و أُعزي هذه المعرفة حسب تقديري ، لقائمة الشكر التي وضعها في آخر الرواية و التي من ضمنها أسماء ستعرفها و أسماء قد تجهلها و لكنها كانت متصلة في شخوص الرواية و لو في خطوط ، أظن الكاتب آثر الاحتفاظ بها معهم ، فيما بينهم .

أضف تعليق