ب
كحالة من حالات العراق ، يمكن لي وصف هذه الرواية – تجليًّا – ، شيءٌ يُشبه الحزن الذي فيها و التداخل ما بين تاريخٍ قريبٍ قديم يجعل من الناظر له لا يكاد يجد صروةً له إلا و تتناهى في نفسك تلكم الصورة في الركن البعيد من الذاكرة كحالة من حالات العبور السريعة بأسماءها ، فيصل و نوري السعيد و عبدالإله ، و كأنهم في عبورهم هذا إنما هم حالة من حالات التاريخ الذي دارت فيه أحداثهم .
تتوسطهم حالة من حالات الأنفس الخارقة روائيا حالة من حالات تجلي نيكوس كازانتزاكيس حين جعلك تظن زوربا جالسا بجوارك ، رجلا تتمنى لو تراه لمرة على الأقل ..
كذلك كانت ” تاجي ” أو كما تحب أن تتسمى ” تاج الملوك ” حالة من حالات الشخصيات الخارقة التي تُشابه ما لدى كُتّاب الكوميكس في كتابتهم لأولئك القادمين من كوكب مغاير و لديهم قوى خارقة ، و لكن الروائيين لا يحبون الفوضى فحتى و هم يخلقون عوالمهم يحاولون أن يكونوا بجوار الجدار كحالة من حالات الخوف من تكذيب القارئ لهم ، فيختلقون شخوصًا يتمنى القارئ لو كانهم ، أو لو كان يتكلم معهم لكنه مع ذلك يستقر في نفسه أنهم قابلون لأن يكونوا موجودين فيستعديهم كحالة ” زوربوية ” .
تأخذك في بلد لم يعد بقي منه غير التاريخ ، فتجعل التاريخ شاهدا من خلال شهوده و حاضرا مِن خلال مَن حضره ، فتدخل أروقة صحافية ، و شوارع كانت تُشابه حالة مصر في زمن لم يعد باقيا منه غير الصور .
الصور التي كانت لدى تاجي ملاذا من كل شيء تحاول من خلالها القول للعمر الذي يمضي أنها لا زالت مثل شمعة في حالة التوقد المستمر و لو بلغت التسعين .. مثلها مثل وطنها ، يقول لا زلتُ بغداد المنصور و إن كنتُ في زمن الكيماوي .
تُدخلك الكاتبة ببراعة في الأزمان فتراوح بك في سلاسة دون شعورٍ منك بفقد البوصلة ، بين القديم و الحديث ، حالة من حالات السرد التي ترمي لك وسطه بجُملة أو كلمه كعلامة سرية بينك و بينها عن الزمن الذي أنت فيه ، و كذلك فعلت مع الشخوص ، الراوي العليم و و وديان و منصور ، و تاجي التي تكلمت عن نفسها بنفسها في المقاطع القليلة لكنك تميز ذلك بغير تغيير لخط أو تلوين لكتابة ، و إنما هي تاجي ، التي يصعب عليك عدم تمييزها كأنها هي المحور الأساس بوصفها حالة من حالات العراق الذي لم يعد قد تبقى من جلاله غير الصور ، ليأتي ” منصور ” البطل الحُلم ، البطل المُنتظر الذي كانت في كل السطور في حالة ارتقابٍ له حالة من حالات انتظار جودو ، أو انتظار انفراجة الضمير لدى راسكيلينكوف ، حالة من حالات الترقب الذي ترميه لك الكاتبة من خلال مشهد ، لتتسائل بعدها هل تقصد ب ” منصور ” ماضي بغداد بوصفه الباني لها ؟ كحالة من حالات الترميز للعراق ككل باختصاره بها ؟ أو أنه” لاوعي ” الكاتبة الذي جعلها تختار هذا الاسم وسط السياق غير قاصدة لحالة الترميز هذه ؟
لقد فقدت في بعض الفصول حالة الترقب مثل كل قارئ لفقد عُقدة قوية تجعلني أسيرها ، لم يكفني التعلق بحكايات تاجي ، و لا بلهفة وديان لها ، و لا بغموض منصور و بهوته ، القادم من بعيد ، بأن أقرأ و كلي لهفة ، كنت أقرأ و أنا سعيد ، لكني لم أكن فضوليا يستحث الصفحات كي يطمئن على أبطاله ، و هذا أظنه لو كان في الحالة السردية لجعل من الرواية في منزلة فوق ما هي عليه ، على الرغم من الدقة في الكتابة و السرد الذي لا يُشق له كما قال الأسبقون – غبار – .
أثارني حنقا في كثير من المقاطع حالة الوصف التي أسميها ” الوصف السريري ” كحالة من حالات التشريح للمشاهد الجنسية و كأنها ينبغي أن تكون مُفصلة لا أن تكون بحالة رمزية أو حالة من حالات المرور العابر بل توغل فيها بشكل يثير فيك الحنق .
لا أظنها قراءتي الوحيدة لإنعام ، بل أظنها بداية خير لكاتبة سأقتني كتبها دون الحاجة لتصفح صفحاتها قبل الشراء بوصفها صاحبة أسلوب يمكن للقارئ الاتكال عليه .

أضف تعليق