هنا ينبغي لنا أن نقف على حالة من الحالات التي أعدّها وصفا لما يمكن له تأريخ القرية ، و تأريخ القرية لا يمكن له أن يكون خاليا من غير أن تمسه يد الجنوب ، و أقصد بالجنوب ، ذلك الخط الذي يمتد من ساحل عما و يصل في التواء إلى تخوم عسير ، هو خط أدبي و نفسي أكثر منه خطًّا جغرافيا ، يتشابه مع ذلكم الربط بين كل شمال في العالم بوصفه حالة من حالات الترف ، بما يناقض الجنوب كحالة من حالات تجسيد التعب و مقاومة الحياة ، هذا الخط الذي يجعلك و أنت تقرأ الرواية التي كُتبت في قرية من قرى عمان ، كأنك تقرؤها في السودة أو الباحة ، حالة من حالات التناظر المكاني ، و إن بعُدت المسافات ، كيف يمكن لي تفسيره ؟
أجد نفسي وسط الرواية و أنا دخلت وسط عملية إنقاذ لامرأة جرفها الماء و هي تحاول مدافعته ، الكل يحاول أن ينقذها ، فهل تجد هذه المحاولات مساقها ؟
ذلكم الخط الذي يجعلك خائفا على البطل ، البطل الذي لازلت في النقاط الأولى لتعرفك عليه لتظن أنك لا زلت تجمع أبعاد الصورة المكونة له ، فإذا به من غير مقدمات يلقى حتفه ..
تجد المطر حاضرا .. حضور المطر يجعلك تظن الرواية قد كتبت بالماء المنهمر من المطر ، كحالة من حالات فهم المطر بالنسبة للقرية ، و أنه الحياة لها ، يبقى السبكُ حاضرا في كل مشهد من مشاهد الرواية كحالة مستمرة للتكامل بين أول الرواية و آخرها ، رواية لا تجد فيها انفصالا للمشاهد عن بعضها ، عقد ناظم يجمع السطر الأول بالأخير من خلال ما حدث في المُنتصف .
مشاهد القرية تلوح لك و كأنها صُورت بكاميرا سينمائية ، تسأل هل عاصر الكاتب هذه البيئة ، أم هي شهادات العجائز و الشيوخ الذين عرفهم و هم يؤرخون مشافهةً كحالة من حالات التوثيق اليومي الذي لا يُقصد به التوثيق بقدر ما هو نمط من نمط الحكايات التي لا تنتهي لدى كبار السن ، كحالة يعوضون بها فقد القدرة على الأفعال ، أو الباعث لها ، فيعوضونها من خلال الكلام ، الكلام عن الماضي ، عن الذي راح من مشاهدهم ، و بقي مثل فيلمٍ في الركن الهادئ القصيّ في الذاكرة يبحث عمن يستجديه فيعيده على المسامع في كل مكان .
ستظل رواية تغريبة القافر في نظري هي رواية القرية ، القرية المغمورة بالمطر ، المنتظرة للمطر ، مطر مطر مطر ، مثل قصيدة سيّابية قد امتلئت حتى أخمصيها بالماء و هو تأبى إلا أن تكون منثورة وسط الحقول و المزارع ، تمسك القرويين بأرضهم ، مزارعهم ، نخيلهم ، و كزن الذي غرسها لهم نبي من الأنبياء و قد تواصاهم على عدم نزعها من مكانها ، حالة القداسة لدى الفلاح لكل ما هو متصل بالأرض مثله مثل الشجر الذي رضع من أم كانت تأكل من ثمرها ، و شرب من ماء كان ينتظر أبوه اليوم بعد اليوم و يستسقي المرة بعد المرة و هو يستجدي الله في الغيث ، الغيث الذي ليس للزرع وحده بل للبلاد كلها ، البلاد التي عكفوا على تسميتها بذلك ، كحالة من حالات الارتباط الذي يفوق الارتباط بكلمة “أرض ” أو ” مزرعة ” ، هي ” البلاد” كناية المُستقرّ و غاية المستودع .

أضف تعليق