حين أقف أمام أحد الأعمال، و قد نسمي الرواية بوصفها عملًا كحالة من حالات التجاوز ، إذ أنّها في أصلها إنما هي حالة من حالات البعث لصراعات تحوم داخل أحدنا فإذا ما بلغت حدها خرجت في صورة رواية فتكون ألسنة الشخوص هي نحن و لكن بأسماء غير أسماءنا ، نتقن نحن الروائيون حالة التخفي وراء الأسماء ، الأماكن ، المسافات ، أسرى للخيال ، لحالة الانتظار الحاضرة في مخيالنا مثل حضور ” غودو ” عند بطليّ بيكيت في مسرحيته ، أو الوهم الذي يلحقه دون كيشوت في ملحمته ، حالة من حالات الدأب الدائم خلف اللاشيء ؟ لا أعرف ، هي حالة بوصفها حالة قائمة بذاتها ، لا يمكن لها أن تخرج سوى برواية أو انفجار داخلي ، يُترك للأيام كي تقوم بفعل الجرّاح و مِبضعه .
أتكلم عن طاهر ؟ طاهر هو حالة من هاته الحالات التي لا يمكن لك فيها الفصل بين الواقع و الخيال ، لا يمكن لك الاستظراف بجُملة المذيعين الممقوتة ” طاهر الإنسان ، و طاهر الروائي ” لأنه كيان واحد ، حالة تجلٍّ إنساني تتسرب لك من خلال النصوص ، جلسته و هو يتكلم ، حالة اللا حضور للحياة برُمتها ، شيء من عبث الغريب لكومو ؟ واحدٌ من أولئك الشخوص الذين ينبغي لك يوما ما صفّهم في عملك الروائي ، واحد من أولئلك الذين تجدهم قابعين بين صفحات نجيب محفوظ في القاهرة القديمة ، يقلبون الأحداث و المشاعر و هم في حالة هدوء و انسجام مع ما حولهم .
طاهر حين يكتب لا يبحث في المراجع عن غزو البرتغال لجدة و دفاع أهلها عنها ، أو معركة الموريسكيين مع صلف الإسبانيين ، هو ينتشل الواقع ساردا ما تراه في حياتك ، ما تسمعه من الذين حولك ، و يصوغ لك من ذلك شخوصا و حالة سردية تستحيل لك رواية .
***
لا شك أن عنوان الرواية كما يمكن لي تسميته ” ضربة معلم ” من ذلك النوع الذي ما إن تراه حتى تعزم على أخذه ، تجد بعض الروايات و قد أخذت عنوانا يجعل كل كاتب سوى صاحبها يسأل نفسه ، كيف لم يخطر ببالي ، حالة من حالات القريب القريب ، السهل كما قالوا و لكنه الممتنع ، تظنه كان بين يديك ، لكنه بحيلة الكاتب الذي يلتقط كل ما تقع عليه عيناه قبل غيره ، الكاتب الذي تراه فترى كل ما فيه ” بسيطًا ” سوى موهبته ، عصيّة مثل تهامة ، أبيّة مثل كل الحقول في سراتها ، صورة من صور الشيب الحاضن لك في لحيته ، رسوخٌ يأتيك في شعرات متناثرة مثل غيمة وردت حقلا بعد سنين عجاف ، صورة تجعل من حال التجلّى في كلامه و هو يتكلم ، في مشيته ، الهدوء في كلامه ، تحملك لرواية ، تعكس كل ذلك و كأنه فيها ، إنما هو كان يكتب نفسه و يضع ما يُخبئ في السرد و يموّه هذه النفس .
رواية ” الجنوب ” و أنا ضعيفٌ لرواية الجنوب ، أأباها أول الأمر ثم اتسّق معها مثل الحب الذي لا يكون من النظرة الأولى ، الحب الذي يأتي بالعشرة فيكون أكثر رسوخا و أجل خلودا كما صنّف فيه ابن حزم في طوقه ، حالة من حالات العشرة التي أُحبّ المثول لها .. مثلتُ لها في ” الحزام ” لدهمان و ” ساق الغراب ” ليحيى امقاسم و هما من تلك المدرسة التي تجعلك لا ترى سوى المزارع و لا تسمع سوى نداءات الرعاة طربا مع ثغاء مواشيهم كحالة تتجلى عند أهل الجنوب إذا امتزجوا بالأدب موهبةً و لو كانوا من أقصى أقصى الجنوب ، كحضور القرية عند عبده خال مثلا في ” مدن لا تأكل العشب ” و ها أنا ذا ألج لعالم طاهر كما سحبني سواه ، أعطيه يدي فيجول بي مُسلما معه نفسي و بهدوء يأخذك إلي عالم غير العالم .
تجده يقول مثلا عن إسباني يتعرف عليه بطله في إحدى الفصول ” هناك أناس مثل نبات الظل ، الواحد منهم يموت بمجرد أن تلسعه حرارة الأضواء ، أتوقع أن كيفن من هذا النوع ، النوع النبيل و الصقيل الذي يؤذيه الاختلاط بالبشر “ فتُمسك يديك مصفقا كحالة من حالات الاتساق الذي أخبرتُك أنك واقعٌ فيه لا محالة .
” طاهر ” تلك النسمة التي لا تكون في مكان إلا كان غالبا عليه حال النسمات و هي تقف في البعيد ، نسمة الجنوب و هي تنبعث من بين كلماته ، هرب خضران الحفيد للحصن و لواذ خضران الجد للحقل ، هو هرب في حد ذاته لابن القرية عن المدينة ، المدينة التي مهما ظن أنه في يومٍ استساغها إلا أنها لا زالت في نظره مرهقة ، متعبة ، سافرة ، وسط الهدوء و الانسحاب من كل ملذات الحياة في القرية ، القرية التي تتشابه فيها كل السمات ، قريةً كانت في الجزيرة العربية ، أو في جزيرة بالي ، هي في الآخير تجسيد من تصاوير اللواذ الإنساني بالزرع ، اللواذ الإنساني بالبلاد كحالة كانت بالنسبة لي مرافقة و حاضرة بين طاهر أخيرا و قبله زهران القاسمي في تغريبته ، اثنان يأخذانك لقريتهما ، هما يأبيان أن يجعلا القرية تأتي للمدني ، هي حالة من حالات الإباء القروي ، حالة من حالات الحصون التي يمتلىء بها
” جنوبهما ” إذا اعتبرنا ” الجنوب ” نظرية مقاومة للمدينة ، و حريّ بالجنوب أن يكون كذلك .
مشاركةShare on TwitterShare on FacebookShare on Whatsapp
Copy linkViews٠٢٥ نوفمبر ٢٠٢٣لا يوجد تعليقاتShow navigation menu
حين أقف أمام أحد الأعمال، و قد نسمي الرواية بوصفها عملًا كحالة من حالات التجاوز ، إذ أنّها في أصلها إنما هي حالة من حالات البعث لصراعات تحوم داخل أحدنا فإذا ما بلغت حدها خرجت في صورة رواية فتكون ألسنة الشخوص هي نحن و لكن بأسماء غير أسماءنا ، نتقن نحن الروائيون حالة التخفي وراء الأسماء ، الأماكن ، المسافات ، أسرى للخيال ، لحالة الانتظار الحاضرة في مخيالنا مثل حضور ” غودو ” عند بطليّ بيكيت في مسرحيته ، أو الوهم الذي يلحقه دون كيشوت في ملحمته ، حالة من حالات الدأب الدائم خلف اللاشيء ؟ لا أعرف ، هي حالة بوصفها حالة قائمة بذاتها ، لا يمكن لها أن تخرج سوى برواية أو انفجار داخلي ، يُترك للأيام كي تقوم بفعل الجرّاح و مِبضعه .
أتكلم عن طاهر ؟ طاهر هو حالة من هاته الحالات التي لا يمكن لك فيها الفصل بين الواقع و الخيال ، لا يمكن لك الاستظراف بجُملة المذيعين الممقوتة ” طاهر الإنسان ، و طاهر الروائي ” لأنه كيان واحد ، حالة تجلٍّ إنساني تتسرب لك من خلال النصوص ، جلسته و هو يتكلم ، حالة اللا حضور للحياة برُمتها ، شيء من عبث الغريب لكومو ؟ واحدٌ من أولئك الشخوص الذين ينبغي لك يوما ما صفّهم في عملك الروائي ، واحد من أولئلك الذين تجدهم قابعين بين صفحات نجيب محفوظ في القاهرة القديمة ، يقلبون الأحداث و المشاعر و هم في حالة هدوء و انسجام مع ما حولهم .
طاهر حين يكتب لا يبحث في المراجع عن غزو البرتغال لجدة و دفاع أهلها عنها ، أو معركة الموريسكيين مع صلف الإسبانيين ، هو ينتشل الواقع ساردا ما تراه في حياتك ، ما تسمعه من الذين حولك ، و يصوغ لك من ذلك شخوصا و حالة سردية تستحيل لك رواية .
***
لا شك أن عنوان الرواية كما يمكن لي تسميته ” ضربة معلم ” من ذلك النوع الذي ما إن تراه حتى تعزم على أخذه ، تجد بعض الروايات و قد أخذت عنوانا يجعل كل كاتب سوى صاحبها يسأل نفسه ، كيف لم يخطر ببالي ، حالة من حالات القريب القريب ، السهل كما قالوا و لكنه الممتنع ، تظنه كان بين يديك ، لكنه بحيلة الكاتب الذي يلتقط كل ما تقع عليه عيناه قبل غيره ، الكاتب الذي تراه فترى كل ما فيه ” بسيطًا ” سوى موهبته ، عصيّة مثل تهامة ، أبيّة مثل كل الحقول في سراتها ، صورة من صور الشيب الحاضن لك في لحيته ، رسوخٌ يأتيك في شعرات متناثرة مثل غيمة وردت حقلا بعد سنين عجاف ، صورة تجعل من حال التجلّى في كلامه و هو يتكلم ، في مشيته ، الهدوء في كلامه ، تحملك لرواية ، تعكس كل ذلك و كأنه فيها ، إنما هو كان يكتب نفسه و يضع ما يُخبئ في السرد و يموّه هذه النفس .
رواية ” الجنوب ” و أنا ضعيفٌ لرواية الجنوب ، أأباها أول الأمر ثم اتسّق معها مثل الحب الذي لا يكون من النظرة الأولى ، الحب الذي يأتي بالعشرة فيكون أكثر رسوخا و أجل خلودا كما صنّف فيه ابن حزم في طوقه ، حالة من حالات العشرة التي أُحبّ المثول لها .. مثلتُ لها في ” الحزام ” لدهمان و ” ساق الغراب ” ليحيى امقاسم و هما من تلك المدرسة التي تجعلك لا ترى سوى المزارع و لا تسمع سوى نداءات الرعاة طربا مع ثغاء مواشيهم كحالة تتجلى عند أهل الجنوب إذا امتزجوا بالأدب موهبةً و لو كانوا من أقصى أقصى الجنوب ، كحضور القرية عند عبده خال مثلا في ” مدن لا تأكل العشب ” و ها أنا ذا ألج لعالم طاهر كما سحبني سواه ، أعطيه يدي فيجول بي مُسلما معه نفسي و بهدوء يأخذك إلي عالم غير العالم .
تجده يقول مثلا عن إسباني يتعرف عليه بطله في إحدى الفصول ” هناك أناس مثل نبات الظل ، الواحد منهم يموت بمجرد أن تلسعه حرارة الأضواء ، أتوقع أن كيفن من هذا النوع ، النوع النبيل و الصقيل الذي يؤذيه الاختلاط بالبشر “ فتُمسك يديك مصفقا كحالة من حالات الاتساق الذي أخبرتُك أنك واقعٌ فيه لا محالة .
” طاهر ” تلك النسمة التي لا تكون في مكان إلا كان غالبا عليه حال النسمات و هي تقف في البعيد ، نسمة الجنوب و هي تنبعث من بين كلماته ، هرب خضران الحفيد للحصن و لواذ خضران الجد للحقل ، هو هرب في حد ذاته لابن القرية عن المدينة ، المدينة التي مهما ظن أنه في يومٍ استساغها إلا أنها لا زالت في نظره مرهقة ، متعبة ، سافرة ، وسط الهدوء و الانسحاب من كل ملذات الحياة في القرية ، القرية التي تتشابه فيها كل السمات ، قريةً كانت في الجزيرة العربية ، أو في جزيرة بالي ، هي في الآخير تجسيد من تصاوير اللواذ الإنساني بالزرع ، اللواذ الإنساني بالبلاد كحالة كانت بالنسبة لي مرافقة و حاضرة بين طاهر أخيرا و قبله زهران القاسمي في تغريبته ، اثنان يأخذانك لقريتهما ، هما يأبيان أن يجعلا القرية تأتي للمدني ، هي حالة من حالات الإباء القروي ، حالة من حالات الحصون التي يمتلىء بها
” جنوبهما ” إذا اعتبرنا ” الجنوب ” نظرية مقاومة للمدينة ، و حريّ بالجنوب أن يكون كذلك .
مشاركةShare on TwitterShare on FacebookShare on Whatsapp
Copy linkViews٠٢٥ نوفمبر ٢٠٢٣لا يوجد تعليقاتShow navigation menu
ترقية الحساب
تسجيل الخروج
ترقية الحساب
تسجيل الخروج

أضف تعليق