“الأبواب لا تأخذ قيمتها إلا حين نكون قبالتها ، حين نهرع إليها ، عدا ذلك فهي باردة و غارقة في النسيان ” حجي جابر
أحاول أن أستهلّ هذه المراجعة بعبارة يمكن لي من خلالها أن أجذب المتلقي ، لماذا ؟ لقراءة الرواية أم لقراءة المراجعة ، حالة من حالات التداخل يمكن لها أن تُصيب الكاتب و هو يُرشح عملا لكاتبٍ سواه ، شئٌ قد يمتزج في نفسه بين الغيرة و الإعجاب و لكي أكون صادقا لم تكن رحلتي مع هذه الرواية في بدايتها موفقة .
كانت حالة من حالات الملل التي أحاول فيها مقاومته كتلك المقاومة التي تحتاجها في بدء كل عمل ، قررت ترك الكتاب من يدي و كتبتُ في صفحته الأولى كما اعتدت حين إنهاء كل كتاب كحالة من توثيق مروري عليه ، فكتبتُ أن الكتاب لم يوافقني ، و أغلقته و من ثم أودعته حقيبتي ، حاولتُ الهرب منه بالكتابة ، بالعمل بأي شيء يمكن له أن يشغلني عنه فأبدأ برحلة سواه ، وجدته لا زال بعد كل ذلك ينتظرني في الحقيبة ، حالة من حالات الإصرار التي لم أعهدها لكتاب ، أعطيته نظري و قلتُ سأقرأ عنه ما يجعلني أعود له أو يقويني على قرار الافتراق عنه .
ذهبتُ إلى goodreads فوجدتُ الكل يمتدح الكتاب ، فقلت هل المشكلة فيّ كحالة من حالات حضور ديكارت بوصفه زعيم الشكوكيين فانتقلتُ للشك في نقاء قراءتي ؟ و لا أخفيكم ، لستُ من القراء الذين ينساقون خلف المشهد العام ، لكن كثرة العدد الذي يمتدحه جعلني على الأقل أُعطيه فرصة ثانية كنوع من الهبات التي يهبها القارئ لكاتب يتمنى لو تكون له معه رحلة لا تنتهي ، توقفت عند مراجعة العزيز طاهر الزهراني لها ، و هنا قلتُ ستكون هذه المراجعة حاسمةً لي ، قرأتها فوجدت المديح ينهال على العمل و على صاحبه ، و ” أبو أحمد ” لديه زاوية نظر في الروايات أأحبُ استراق النظر نحوها .
فتحت الحقيبة ، و تأملت المجلد و قلتُ ” عُدت ” فأجابني ” هيت لك ” و بدأت بالقراءة و أنا مُحمّل بحال الترقب بعد أن قمتُ بإزاحة حمل الكتابة الذي كان يؤرقني لأيام و لا يريد أن يخرج ، عن ظهري أذ أني كنتُ أحاول قراءته أول مرة و فيّ حملُ من أحمال الكتابة ينبغي لي أن أطرحه ، فكتبت ، و بعدما خرجتُ من نشوة الكتابة و الشعور بأني قد ملكتُ الدنيا كما كان يقول المُنخّل اليشكري :
ولقد شربتُ من المُدامةِ بالكبير وبالصغير
فإذا سكرتُ فإنني ربُّ الخَوَرنَق والسدير ..
و هنا شعرتُ أن الكتاب حالة تحتاج لا لفرصة قراءة ، بل للانتباه الوجداني ، كحالة جديدة تمرّ عليّ بفكرة لم أقرأها من قبل .. فكرة ” ماذا لو كان هناك من يعيد كتابة التاريخ ” هذا التساؤل الذي كثيرا ما يُطرح في موائد المُفاكهات و المناظرات البالونيّة عند أشباه المثقفين حين ينظرون للتاريخ و كأنه كذبة كبيرة عازلين عن أنفسهم حالة التراتبية في التحقيق التاريخي و فكرة أن كتابة التاريخ نفسها تعتمد على معطيات أوسع من قصرها على أنها تلقينات يحملها القارئ من كاتب التاريخ و كأنه الوحيد الذي له الحق في كتابته – و قد تناولتُ هذه الفكرة من خلال مقال سابق و من خلال بودكاست مبتدأ – .
هنا ، كان قلم ” حجي جابر ” حاضرا كحالة من حالات سحب البساط من تحت تساؤلات الناس ، ثم فكّر لماذا لا تكون رواية و نبني عليها عملا ؟
و هنا تأتي المفارقة ، حالة تكوين العمل الأولى ، بذرة الجنين الأولى ، إذا كانت مُباركة كان العمل كله مباركًا و أقصد بالمباركة هنا بوصفها مجازا أدبيا يسمحُ لي بوصفي أديبا أن أتلاعب بالألفاظ كما تشتهي قريحتي .
كالمحاول أن يُلملم هذه الفكرة رماها من خلال فتاة لا أذكر اسمها و لا أذكر هل سماها أو لا ، و هل تهمّ تسمية الأبطال إن كانوا يحملون فكرة ؟ المهم هي الفكرة .
لن أقوم بحرق العمل و أصف ما هو فيه ، يكفيك أن تتخيل لو كان التاريخ بيد هذه الموظفة القابعة خلف مكتبها في دائرة الأرشيف و ما يمكن لها أن تعمل ؟
هنا يأتي حرق الرواية .. و إن كنتُ لا أؤمن بفكرة ” الحرق ” بوصفها حاضرة في الأعمال الروائية إذ أن العمل الروائي يقوم على أهم من ذلك و هو طريقة تناولك للفكرة ” القابلة للحرق ” و مدى تسييرك لشخوصك كحالة من حالات الربط السردي ، و الذي لا أشك في مرافقة التوفيق لجابر في ذلك ،و ينبغي أن نفهم أن هذه الرواية هي في أصلها رواية الفكرة لا رواية الأحداث ، و هذا هو مكمنها ، لذلك تخيل معي الموظفة التي ذكرناها و هي تقبع خلف أرشيف الوثائق و لديها القدرة على تعديل الوثائق ، فمالذي يمكن لها أن تُحدثه لا لرغبة في تغيير سيرورة التاريخ ، هي أقل من ذلك ، بل لرغبتها في معالجة السأم الذي لديها ، حالة من حالات الترف اللاهي الذي يُحيلك لفخ العبثية الذي فرّ من ذهن ألبير كامو .
و قد عزز حجي فكرته من خلال النهاية ، ” نهاية شيطانية ” و وصف الشيطنة هذا وصفتُه به و أنا في الثلث الثاني من الرواية كحالة نشوة أصابتني فلم أجد إلا أن أُلقي بكاهل هذا الانتشاء عند صاحبنا .
أعود لأقول ، لقد نال هذا الـ ” جابر ” بوصفه ساردًا حالة من حالات القلب ، تجعلني أعيد النظر فيما قرأت له من قبل ” سمراويت ” فتُحيلني مُتتبعا للعمل التالي الذي سأقرؤه له .

أضف تعليق