تخطى إلى المحتوى

محمد عمرو عبدالجبار

  • المدونة
  • عني

  • المشترك الإنساني في المُعطى الفكري : دراسة تحليلية للفلسفة و المضامين المتصلة بين الأمم من خلالها .

    المشترك الإنساني في المُعطى الفكري : دراسة تحليلية للفلسفة و المضامين المتصلة بين الأمم من خلالها .

    مقدمة لا بُدّ منها : تقوم هذه الدراسة في أصلها على قراءة قمتُ بها لكتاب يوسف كرم في تاريخ الفلسفة و الذي اعتمدتُ عليه في تكوين الخلفية التاريخية و المعرفية للمناهج الفلسفية التي بحثتُ فيها و يمكن النظر لهذا المقال بكونه تصورا عاما و مختصرا عن تاريخ الفلسفة و اتصالها بالحال الإنساني عموما .

    قراءة المزيد: المشترك الإنساني في المُعطى الفكري : دراسة تحليلية للفلسفة و المضامين المتصلة بين الأمم من خلالها .

     حالٌ من الحنين ينتابني و أنا أقرأ في الفكر الفلسفي و يروق لي ما يُمكن النظر له بأنه نزهة للعقل تنتابني و أنا أرى ما يُمكن مُطالعته كجزء ممتد من التاريخ الإنساني لا يمكن الحُكم  القطعي بأنه بدأ من خلال الطبيعيين الأوائل[1] أو الفيثاغوريين و ما تكلم فيه طاليس مثلا من أن المادة الأولى هي الماء و ما ناقضه به هيرقليطس ، فذكر أن النار هي مبدأ كل شئ و هي نار أثيرية غير مدركة بالحواس و تتكثف لتصير بخاراً ، و هذا التأصيل لبداية الأشياء هو ما يمُكن النظر له كوجهة أولية للمنظور الفلسفي و بحثه عن ماهيّات الأشياء و مُبتدئها ، و لكنّ العقلنة الإنسانية للمحيط به لا تتوقف عند ذلك بل هي تتعداه و تدخل في ماهيّات أكثر تفصيلا من ذلك حتى نحَتِ هذه الأسئلة نحوا عند فيثاغورس ليضع تصورا لهذه التساؤلات فصاغ من خلالها العبارة الأولى ” لستُ حكيما فإن الحكمة لا تُضاف لغير الآلهة و ما أنا إلا فيلسوف أي محب للحكمة “[2] .

    و لكن لنعُد في التاريخ قليلا و ننظر للذين كانوا قبل اليونانيين ، ألم تكن لهم طبائع تفيض بهم للسؤال الفلسفي ؟
    و أقصد بالسؤال هنا -لنتفق على الاصطلاح – هو ما يمكن النظر له بالتساؤلات عن ماهيّة الأمور ، عن سرها ، عن تكوينها ، تساؤل الماوراء مصحوبا بالمعطَى الوحيد ، و هو المِخيال النفسي لتصور هذا الماوراء و ما يتم من عملية عقلية أو حسية يمكن أن تخرج بتصورّات مُركبة أو مُبسّطة عنه .

    أقول نعم كان من الملل مَن شاعت فيهم هذه الأسئلة الوجودية ، فنجد الآشوريين مثلا كانوا يرون أن الماء أصل كل شئ كما رأينا لدى أوائل اليونانيين ، و يبدو أن هذه الأولية لها منشأ مُشترك لتتكرر في هذين البُعدين الثقافيين الذيْن يبعد بينهما نطاق جغرافي كبير، و هو ما يمكن كذلك النظر له في الثقافة المصرية القديمة و نظرتهم لما بعد الموت ، و أن الموت عملية انتقالية لهذه الحياة ، و هو في حقيقته خُلاصة البعث الذي لدى الديانة السماوية الحقّة ، و هو ما يُحيلنا للتساؤل إذا ما كانت هذه الخُلاصات التي خلصوا لها كانت رواسب بقيت من هذه الديانات ، و هو ما يُعززه الطرح أنّا في الأصل نعرف أنّ ( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ ) و هذا ما ما فسره قتادة عند الطبري [3]بأن ما من إمة إلا فيها رسول ، فهل دعوى أنّ هذه التأصيلات التي لدى بدايات الفلسفة و عزوها أنها منطلقة من دين سماوي يمكن تغليب الظن بها كمُعطى بحثي يُنطلق من خلال هذه الحيثية ؟

    ليس الغرض عندي الجواب على ذلك بقدر ما أنا أتفكر بالنظر أنّا لو نظرنا لأبينا آدم مثلا كأول إنسان له اتصال بالميتافيزيقيا – الجنة و الملائكة .. – و هي أم من أمّهات الأسئلة الفلسفية ، فبالتالي سيكون خلف هذا العلم الذي لديه و الذي اطلع عليه عيانًا مجموعات معرفية واسعة يُمكن تركيبها مع افتراضات ماهية الأسماء التي علمه الله إياها و لم تكن تعرفها الملائكة و هي ما فسره الطبري بأنها أسماء كل شئ[4] ، نعم لقد كان آدم لديه هذه الجمعيات المعرفية ، و لو أصّلنا في مقابل ذلك ما كان عند الناس الأوائل الذين تبعوه في التسلسل التاريخي مِن نظرات فلسفية للكون فهل يمكن عزو هذا لهذا ؟ هذا لو فرضنا آن أدم لم يأتِ نبي بعده ليُعطي الناس معارف مُركبة و مُؤكدة لهذا العلم ، و هو ما لم يحدث إذ أن هناك عدد من الأنبياء كانوا بينه و بين نوح مثلا و هم شيث و إدريس .

    و ما أريد البرهنة عليه أن هناك عدد من الأنبياء متصلين بالتاريخ الإنساني ، و قد اشتهرت رواية أن الأنبياء عددهم ١٢٤ ألف نبي ، فتخيل معي طوال التاريخ و مواضعهم و أممهم و ما يتبع ذلك من معارف و رواسبها في النفس البشرية – إذ انطلقنا من أن كل أمة لها نذيرها – و هو ما يمكن أن يُترجم من خلال التساؤلات الفلسفية كامتداد لفقد الأجوبة على الأجوبة التي قد يكون النبي أتى بها ، فيستحيل هذا الفراغ في الأجوبة بعد فقد الحالة النبوية لأسئلة يبحث عنها المتفلسف ، نعم قد يكون فيما أقوله تسطيح لفكرة التساؤل الإنساني الدائم ، و التلقائية في تكوينه المبني على حالة التفكر التي تمرّ بها النفس الإنسانية ، لذا فما أشير إليه هو ما لا يمكن الجزم به و كذلك هو مما لا يمكن إغفاله بل إن القرائن كلها تقود لتحقيقه.

    نعود لشذرات المباحث الإنسانية الفلسفية الأولية و التي يُمكن الإطلاق على ما وصل إلينا منها بأنها – عفوية – تُشبه أسئلة الأطفال في أوائل أيامهم ، و لكن هذه التساؤلات تطورت حتى أخذت في التعقيد أكثر إلى أن أتى سقراط و الذي كمُنت أهميته في التنظير لفلسفة الأخلاق و مناظراته التي كانت جزءا من السياق العام مع السفسطائيين[5] و لا ترى سُقراط – و هنا لا أقصد التقليل من شأنه – قد كان أباً في الفلسفة[6] يمكن النظر لما كان يتفلسف به أنه مرجع أساس يُنطلق منه و لا ننسى أن وجه الإشكال قد يكون من قلة  ما وصلنا من فلسفته قياسا بسواه ، و سواه في المقابل هو أفلاطون الذي ابتدع نظريتين واحدة في المُثل و التي تقوم بربط المحسوس بالمعقول : يعني ارتباط ما يمكن إدراكه بالحواس بما يمكن فهمه بالعقل ، و ماذا حدث بعد ؟ هنا انقلبت الفلسفة لترتاح إلى حجر أرسطو و الذي صار ” المعلم الأول ” و أخدت فلسفته تُغذي الفلاسفة حتى عصر ديكارت و كانت في القرن السابع عشر و الثامن عشر ، و يمكن عزو كثير من الأفكار الفلسفية أنها مُنطلقة من تفلسفات أرسطو ، و تكمن رسوخيته في وصول مؤلفاته إلينا و أهمها ” الميتافيزيقا ” و ” الأخلاق ” و لاحظ حضور “الأخلاق” عندنا في معظم ما نحوناه في كلامنا في المباحث الفلسفية ، و هو ملمح يمكن النظر له كعينة يُنطلق من خلالها في حالة تناصيّة بين ما تحمله الديانة السماوية في أصلها من أخلاق و ما يُنظر له من خلال الأحكام الشرعية و الحدود الضابطة لها ، و في مُقابلها ما تفلسف به الفلاسفة تُجاه الأخلاق حتى رُوي [7] ” إن أفلاطون ما هو إلا موسى يتكلم اليونانية ” و أظنّ أن الإشكال حين يُنظر للاثنين بشكل متوازي لا متقاطع و هو ما سنتكلم عنه في عصر الفلسفة المتأخرة .

    نعود لأرسطو ؟ هنا لا يهمني البحث عن مراجعة حياته بقدر ما يهمني أثره الذي امتد حتى أن كثيرا من الفلسفة التي تُرجمت في عهد المأمون كانت مُترسخة على نظر أرسطو ، حتى أنّ المأمون نفسه يُروى أنه رآه في رؤيا [8] و يذكر د. طه عبدالرحمن [9]في إحدى لقائاته أن إشكالية الفلسفة الإسلامية بُنيت على فلسفة أرسطو في الأخلاق ، و لم تنبنِ على فلسفة الإسلام نفسه و قيمته و التي من ضمنها ” التقوى و الأمانة ” ، و ما ذكره عن ابن رشد مِن أن قيمته في نقله فلسفة أرسطو أكثر منها في فلسفته الخاصة ، و ربما لهذا أخذ منزلته عند الغرب و استوردنا بدورنا هذه المنزلة .

    و بالسياق لابن رشد ، فلو نظرنا لجذور الفلسفة و دخولها في التكوين الفكري للمسلمين فقد أخذت دورتها في المسلمين حتى أنها ولّدت فِرقًا ظلت أقطاب رحى في التاريخ الإسلامي و منها المُتكلمون و المعتزلة [10] و رحلتهم الطويلة و المشهورة في فتنة خلق القرآن و ما نتج عنها من إكراه للناس عليها و ما يُقابله من الصمود الشهير للإمام أحمد بن حنبل و هو ما أُرّخ له في السياق الفكري بمحنة الأمام أحمد ، فكأن المرحلة كانت مرحلة موقف هذا ” الرجل ” الفكري  ، و يُذكرني بوقفة سقراط في أفكاره و التي انتهت بقتله بالسُم و فيما بعد صار علما في الفلسفة و الفكر الإنساني ، و في النظر العام فإن وجود الفكرة و عدم شعبويتها لدى الناس لا يعني ضعفا فيها و هو ما وصفه كانت ” جئت بمؤلفاتي قرنا قبل موعدها و لن أُفهم إلا بعد مائة سنة “[11]و هو ما يُفهم به اكتساب كثير من المفكرين لقيمتهم بعد سنوات من وفاتهم .

    و بالنظر لهذه الرؤية التراتبية و ما يتصل بها لتنظر للفلسفة من علٍ ستجد أنها مرّت بمراحل كانت في بدايتها تُشابه -كما قلنا – أسئلة الأطفال الأولية ، ثم أخذت بالتشكل من خلال بعض الأشخاص أو في نظرات معينة لدى بعض الأمم ، حتى أتى سقراط و بدأت تأخذ الفلسفة امتدادا جديدا في حواراته و الذي امتد أثره في حيلولة الرمزية لأسماء بعينها في الفلسفة بعد أن كانت في حالٍ من السيولة وسط الثقافة العامة لأُمّة ، ليُصبح أرسطو بعثا لفكرة الفلسفة المرتبطة برجل  و مدرسة ، و يصير فيما بعد هو الرمز الأساس للفلسفة الإنسانية ، و إن ظل هناك حالٌ من الخمول بعده ، و الذي ظهر في بعض الأسماء و لكنها لم تكن علامات بارزة لتكوين مرحلة يُنطلق منها كما كان هو ، و امتد الحال على هذا حتى أتت حركة الترجمة في عصور الإسلام الأولى و بدأت هُنا تُبعث فلسفة أرسطو و الترجمات من الكتب اليونانية و الفارسية ، و بدأت تحدث عملية توليد للثقافات القديمة و هذه قد صاحبها مُولّدات خاصة و مرافقة لها داخل الفكر الإسلامي و يمكن إجمالها بالوحي أولا ( القرآن و السنة ) و بالثقافة العربية نفسها  و طريقة تلقيها للآخر ، كل هذا صنع أشبه ما يكون بالمُناخ العام الذي انصهر فيه بعض المُسلمين ، لتخرج فرق كلامية و معتزلة ، و هناك مَن يرى تأثير ذلك حتى على التصوف[12]– و هذا مبحث طويل يمكن تخصيص مادة بحث خاصة به -و قد ولّد هذا المناخ جماعة من الأسماء كان أبرزها ( الفارابي ، ابن رشد ، الغزالي، إخوان الصفاء ) [13] و ظل الحال على هذا حتى دخلنا في العصر الحديث و أقول عنه ” حديثا ” لدخوله في نهج جديد في المعرفة الفلسفية ، إذ أنه و إن اعتمد على الفلسفة اليونانية القديمة في بعض مرجعياته فهو لم يتكل عليها كما اتكلت عليها الحركات الفلسفية السابقة بشكل كبير فجعلتها مُنطلقا لحركتها ، فدخلت الفلسفة ككُل في سياق جديد من مرحلة المنهج الجدلي الأرسطي لمرحلة المنهج النقدي الديكارتي ، فصار من حينها ديكارت هو أبو الفلسفة الحديثة ، و كان معه بيكون الذي كان علمًا في المنهج التجريبي فصارا علميها كما كان في الماضي أرسطو هو أبوها القديم أو كما اصطلحوا عليه ” المعلم الأول ” .

     نأتي أولا لبيكون و لنتكلم عن منهجه و الذي أسسه ليتكون من خطوات– و هي :

    ١-جمع الحقائق

    ٢- الترتيب و التبويب ( إعادة تموضع للحقائق )

    ٣-الاستقراء الحقيقي  ( المقارنة و المفاضلة )

    ٤- التحقق و الاثبات (التحقق من نتيجة الاستقراء)

    و هذه الخطوات هي المنهج التجريبي له ، و هي بحد ذاتها آلية للبحث العلمي و له قصبُ السبق في ابتداعها ، و لكنّي و إن كنتُ أراها منسوبة له فإنى على ذلك أجد حكّة الأصولي في داخلي و الذي سيجد تناصًّا في مُنطلقات خطوات منهجه مع  أصول الفقه ، و الذي يعتمد على أسس موازية في استنباط الحكم الشرعي و منها :

    ١-  القرآن و السنة و الإجماع و هي تقابل عند بيكون مرحلة جمع الحقائق .

    ٢- ثم مراجعة الناسخ و المنسوخ و الضعيف من الحديث و الصحيح و قول الصحابي المؤيد له .. إلخ ٌو نظيرها عند صاحبنا “الترتيب و التبويب” و يدخل في هذه التراتبية للنصوص التي جُمعت ، حالة من المقارنة بينها لترجيح بعضها على بعض – و هذا شاهد مثلا في عدة المتوفى عنها زوجها ففي القرآن “وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا”[14] و في مقابل هذه الآية حديث سبيعة الأسلمية[15] .

    فظاهر النص في القرآن يذكر أن العدة هي ٤ أشهر و ١٠ أيام بينما قامت السنة بتوضيح أن الحامل عدتها  تنتهي بانتهاء حملها و هو يتوافق مع قول الله  “وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ” و هذا عند الأصوليين تخصيص عموم القرآن أو توضيح لإجماله – و هذه العملية كلها تدخل في ( عملية التحقق و الإثبات ) -و هنا لا أحاول أن أُلبس بيكون عمامة الأصولي بقدر ما أني أتكلم أن المنهج الذي وضعه بيكون لا يعدو عن كونه مُقاربة لآلية استنباط الحكم الشرعي و التي وُجدت قبله بمئات السنين ، فهل وصل له من الكتب التي كانت في الأندلس أو غيرها ما يوحي بذلك ؟ خاصة و أن النهضة كعصر في أوروبا لم تظهر إلا بعد سقوط الأندلس و فتح القسطنطينية ، و هما مرحلتان مهمة جدا في التأصيل لمباحث كثيرة قد انضوت تحت هذين الحدثين ، و هي كما ذكرها يوسف كرم [16]في مُسببات النهضة الحديثة لأوروبا و التي من ضمن تمثّلاتها :

    ١- حركة الترجمة التي تمت للكتب العربية إلى اللاتينية ، و لك أن تتصور أن جامعة لولونيا في إيطاليا – منبع النهضة- كانت تُدرس تعاليم ابن رشد مثلا ، و هو فوق أنه فيلسوف هو كذلك كان قاضيا ، و نحن نعرف أن العملية القضائية هي عملية فقهية بالدرجة الأولى ، و العملية الفقهية جزء كبيرٌ منها هو العملية الرياضية العقلية التي تمرّ بما ذكرنا أعلاه من تراتبية أصولية .

    أقف الآن أمام  ما ذكرنا و قد قطعتُ شوطا في مبحث دراسة مسار حركة الفلسفة لدى الإنسان ، و لقد رأينا أن فيها علامات بارزة من حيث أفرادها و من حيث مراحلها ، و لا أظن أن تمظهراتها القديمة التي وصلت كحالة من حالات الذروة من خلال أرسطو يمكن لها أن يغيب عنها التمظهر الأهم لها في العصر الحديث و هو رينيه ديكارت ، و هو اسم قد يكون مألوفا لكل من لديه ثقافة عامة و لكنّ أثره الذي تركه و  ماهي ماهيّته حتى صار أبوها الحديث ؟

    نحن إنما نتكلم عن مئات من السنين حيث كان الفكر الأرسطي هو السائد ، بل هو المسلّمة التي لا تقبل الجدال في المنهجية الفلسفية ، حتى أتى كما أشرنا لذلك بيكون فانتهج النهج الاستقرائي و تلاه فيما بعدُ ديكارت و ” ابتدع “[17] نمطًا آخر يمكن لنا أن نسميه المنهج القياسي و الذي يرى من خلاله أن الحدس و القياس هما أداتان فكريتان يمكن لنا أن ندرك من خلالهما ، و قد جعل كذلك ما يمكن لنا تسميته بالقواعد لعملية الاستدلال[18]:

    ١- ” لا نقبل مطلقا شيئا على أنه حق إلا إذا عرفناه كذلك في وضوح ، بحيث لا يعرض له الشك في الذهن بحال ” و هذه هي حال من تجريد ماهيّة المنقول لنا من الحقائق من التسليم بأنه يقيني ، حتى نُعالج حالة اللا يقين تُجاهه و نُحاكمه لها ، ثم على أثر ذلك نُنيطه وصفا بأنه يقين أو لا ، و هي أساس نظرية الشك التي عُرف بها ، والتي لو بحثنا عن أوليّة التفكير بها فإني لا أقدر إلا على عزوها للإمام أبي حامد الغزالي و دعونا نقرأ ما قاله  ” ظهر لي: أن العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافاً لا يبقى معه ريب، ولا يفارقه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك، بل الأمان من الخطأ ينبغي أنا يكون مقارناً لليقين، مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه – مثلاً – من يقلب الحجر ذهباً والعصا ثعباناً، لم يورث ذلك شكاً وإنكاراً، فإني إذا علمت: أن العشرة أكثر من الثلاثة، فلو قال لي قائل: لا بل الثلاثة أكثر، بدليل أني أقلب هذه العصا ثعباناً، وقلبها، وشاهدت ذلك منه، لم أشك بسببه في معرفتي، ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه! فأما الشك بسببه فيما علمته فلا ثم علمت أن كل ما لا أعلمه على هذا الوجه ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين، فهو علم لا ثقة به ولا أمان معه، وكل علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني.“

     ألا ترى هنا أن الشك الذي جعله الغزالي أصلا ينطلق منه هو نفسه الشك الذي أصّل يقينية الأشياء عند ديكارت ؟

    و صاحب مع هذا ما يُروى من وجود نسخة للمنقذ من الضلال في مكتبة ديكارت[19] و لا يهمنا هنا صحة الخبر من عدمه إذ أنّا ذكرنا ما يغنينا عن هذا الخبر من تأثر الثقافة الأوروبية و فلسفتها بترجمات الكتب العربية و لك أن تعلم أن ابن رشد قد اشتُهر عندنا بعد أن نال ما نال عندهم فكان النظر له ليس ناشئا من عنديّتنا بقدر ما هو من عنديّتهم ، لكن ما أحاول الوصول له قد يكون له مثاران ، أني بُحكم عاطفتي أريد تأويل الفلسفة الغربية و رمزيْها ” بيكون ، ديكارت ” لأصول الفقه كمنهج تارةً و للغزالي نموذجا فرديًّا تارةً أخرى ، و هذا قد يكون فيه مبالغة مني ؟

    نعم .. قد يكون .. و لكنه مثار للبحث عن مُتبدأ العلوم و مُنطلقاتها و بالأخص الفلسفية و الفكرية منها و هي ما انغمسنا في العصر الحالي باستيلادها من الفكر الأوروبي المعاصر ناسين أن شيئا من تمثّلاتها المعاصرة مبنية على ما بناه سابقونا في الماضي ( الفارابي ، الغزالي ، ابن رشد .. ) و هذا الفهم سيجعلنا نعود للأصول قبلًا ، ثم نُلحق بها الفروع بعْدًا فنفهم التكوينات من مصدرها ، و مَن تكلم عن المصادر و نحَا سُلم التأصيل فسيقول أن فلسفة أرسطو و جماعة اليونان هي الأصل و أقول نعم و لكن في المقابل ، المناخ الذي امتزج فيه المنهج الأرسطي مع الفكر الأصولي و القياس الفقهي ولّد مِزاجا عاما أنشأ توليدات فلسفية صارت هي بحدّ ذاتها مرجعا يؤصل من خلاله .

     و الناظر لنمطيات أصول الفقه عند الشافعي يمكن له تلمس ذلك من خلال منهجيته التي جعلها في تأصيل الحكم الفقهي ، و هي نفس المنهجية التي كان ينحوها الفقهاء عفوًا دون تقصّدٍ مباشر لها ،  و هي المُتأصلة في تراتبية استقاء الحكم الشرعي من القرآن و السنة و الإجماع و القياس ، و ما نحاه في إظهار منهجية القياس ، و متى يُلجأ له و متى لا  ، و قد يتراءى لك بعد ذلك مما تراه لدى الفقهاء من تأطيرات للسياقات الخاصة بين الراجح و المرجوح و أخف الضررين و غيرها من القواعد العامة و هي لعمري مناهج لو تتبعناها فهي لا شك مناهج فلسفية بانفراد .

     و قد تتساءل عن السياق الذي جعل عددا من الذين لهم تأويلات في الفكر الغربي لهم ما يمكّننا من تغليب الظن من وجود مرجعية فقهية عندهم ، و لكن إذا اكتمل فهمنا عن كيفية النظر للحكم الفقهي عند الفقيه المُجتهد فحينها سنفهم كيف أن الفقيه في اجتهاده يقوم بعملية فلسفية رياضية تُشابهها العملية الرياضية التي اتبعها ديكارت في قياسه الرياضي .

    ٢- ” نقسم المشكلة التي نحن بصددها ما وسعتنا القسمة و ما فسح لنا ذلك في السبيل إلى حلها على أحسن وجه “.

    ٣- ” قيادة الأفكار بنظام مبتدئين بأبسطها و منتهين بأكثرها تعقيدا ” .

    ٤- “إحصاءات تامة و استعراضات عامة بحيث نتأكد من أننا لم نغفل شيئا مما له صلة بالمشكلة المعروضة ” . 

    هناك ملمحٌ وسط هذا أودّ الإشارة له و لعله فاتني في معرض الحديث عن ديكارت  و هو مبدأ اهتمامه بالميتافيزيقيا و أنه ناشئ عن الرد على الملحدين و هو واحد من المؤشرات في اتصال الفلسفة لمرحلة طويلة بالدين و هو ملمح يتأتى لي إن كان أبو الفلسفة الحديثة متدينا فكيف نجد من الفلاسفة من ألحد فيما بعد ؟ هذا مبحث آخر لعلي أتكلم عنه فيما بعد و لكن لنعلم أن ديكارت جعل من أساسه الديني انطلاقة غير متروكة للنقاش و هو منطلق من ” البرهنة على وجود الله عند ديكارت غاية و وسيلة في آن واحد : غاية لأن العقيدة الصحيحة لا تتفق من دونها و وسيلة لأنه ليس ثمة يقين إلا ما بني على وجود الله ” [20] و لقد تبنّى مدرسته مجموعة من الفلاسفة و منهم (اسبينوزا ، ماليبرانش ، ليبنتيز) و لستُ في حالِ حديثٍ عنهم إذ يبدو لي أن الحديث عن أستاذهم يكفي عن التفصيل عمّن بعده .

    قد نكون الآن كوّننا صورة عامة عن السياق  الفلسفي و كيف وصل إلى مرحلة ديكارت و ينبغي لي كذلك سوق الحديث عن الإنجليز لتكتمل صورة الدرس الفلسفي و عن جون لوك تحديدا ، و الذي يمكن الارتكاز عليه كأبٍ مؤسس للفلسفة الإنجليزية ، و قد كان رأيه يميل لفصل الكنيسة عن الدولة ، و لهذا الفكر أهميته حسبما يرى يوسف كرم [21] على الثورة الفرنسية إذ أن آراءه كان لها الطوْل في الثورة الإنجليزية حيث تقبلها فيما بعد فولتير و روسو و الذيّن كانا عماديّ الثورة الفرنسية فيما بعد ، و قد تفرّع عن فلسفته ديفيد هيوم و هو مَن هو، و لأفهمه بشكل قوي فإن بيكون مثلا كما ذكرنا كان عماد فلسفته هو المذهب التجريبي ، و التجريب يقوم على الحس بينما لهيوم قانون ينطلق فيه من شيء يُصطلح على تسميته بتداعي المعاني و يعني فيه : أن الأفكار لها حالٌ من الاتصال و هذا الحال قد يكون اتصالا فعليا و قد يكون هو اتصال في ذهننا و حسب و هذا الأمر قضى من خلال على مذهب التجريبيين .

    نعم نعم أظن أن المتكلم في الفلسفة ينبغي له أن يُحجم من أن يتكلم فيها دون أن يتناول في حديثه الكلام عن ” كانت ” كمُنتهى من مُنتهياتها و هو الاسم الذي نسمعه و نقرأ عنه حتى لو لم نقرأ له ، اسمٌ يشابه تلكم الأسماء التي تكون حاضرة في مجال ما ، تشتهر به و يشتهر بها بغير أن يكون لتفاصيل هذا الارتباط بالضرورة معرفة عند الناس ، كاشتهار الفيزياء بنيوتن و آينشتاين ، في الحين الذي قلّما يعرف الناس سبب الارتباط بينهما أو يعرفون تفكيك مفاهيم النظرية النسبية أو القوانين الثلاثة الشهيرة لنيوتن ، هو ارتباط مقدس يُشابه حال المتنبي مع الشعر و دوستيوفسكي مع الرواية و قد كان صاحبنا ” كانط ” من ذلك النمط من الناس الذين لبسهم لبوس الارتباط الكاثوليكي هذا .

    لقد رأينا فيما سبق منهج ديكارت العقلي و لوك التجريبي حتى أتانا  اسمٌ أراد الجمع بين المنهجين و هو لا يقل في الشهرة عنهما حتى في الأوساط غير الفلسفية ، و لقد كنتُ أسمع عن ” نقد العقل المحض ” لكانت و أعرف مدى ثقله قبل أن أعرف عنه تفاصيل فلسفته ، و هذا الجمع الذي قام به كان ممهدا لمن أتى بعده فصارعلمًا كما كان مَن قبله مُسترشدا بأعلام قبلهم ، ذكرنا بعضها و بعضهم الآخر ، و إن لم نكن ذكرناه اسمًا بُغية الاختصار في كلامنا إلا أنّ أثرها اليقيني في الفلسفة أثرٌ كبير و ما تركناه من هذه الأسماء و لم نُعرّج في الحديث عنها ، و لها الأثر الكبير الذي كوّنوا من خلاله الحالة العامة للعملية الفلسفية  .

    و لكي نتكلم الآن عن فلسفة كانت و ماهيّتها ، ينبغي أولًا : فهمُ أنّ في العلوم مَن يقوم ببناء مدرسة خاصة به و من يقوم في مقابلها ببناء مدرسة توازي هذه المدرسة ثم يأتي واحد و يقوم بالتلمذة عليهما و الجمع بين المدرستين و نجد هذا مثلا له شهوده في علوم أخرى فنجد مثلا أن فقه الشافعي الذي أخذ فيه عن الحنفية مدرسة القياس و الرأي و عن الإمام مالك مدرسة السنة و عمل أهل المدينة فأتى فقهه مزيج المدرستين ، بل قام على هذا بتأصيل الفقه كلّه في المنهجية المعروفة التي صرنا فيما بعد لا نذكر علم أصول الفقه إلا و نسِمه بالشافعي فصار كل واحدٍ صنو الآخر .

    نعود الآن لكانت ؟ يقوم في فلسفته على التركيز على فكرتين : نظرية المعرفة ، و مشكلة السلوك ، و يمكن إجمال الأولى في تساؤل: ماذا يمكن للإنسان أن يعرف ، و الثانية فيما يجب أن نقوم به تجاه هذه المعرفة ؟ .

    و لقد جعل له منهجا في النقد يمكن النظر له باعتباره منهجا تحليليا يقوم على الشك في كل شيء ، و قد يسأل المرء عن الفرق بينه و بين ديكارت و كلاهما جعل الشك أساسا لفلسفته ، هنا ينبغي لنا إثارة نقطة و هي أن كانت الآن أمامه المنهج التجريبي ( بيكون ) ، و المنهج العقلي ( ديكارت ) و عندما نظر لهما قام بنقد كل واحد و اصطفى خيريّة كل واحد منهما حتى وصل إلى أن طرق الوصول للمعرفة :

    ١- إحساسنا بالعالم الخارجي .

    ٢- الإدراك الذهني الجامع للمتفرقات من المحسوس .

    ٣- النظر العقلي .

    و هنا يقوم بتصوير المعرفة أن شيئا من إدراكها هو كما قلنا منبثق عن الحس بها ، فجعل هذا الحس على درجات أولها الحس الساميّ و هو إدراكٌ ينطلق من الزمان و المكان الذيّن بواسطتهما ينتظم في داخل النفس إحساسها بالخارجيّ ، و يمكن النظر للحس السامي أنه مرحلة في التلقي ، تليها عملية تحليلية يدخل فيها إدراك العقل حتى تُتصوّر في النفس تصورًا له مرحلة أخرى يعتمد على تقسيم المدركَات و تبويبها حسب ماهيّاتها .

    و الآن و أنا أنظر لهذا المقال بعد انتهائي منه أجد أن الفلسفة مهما بحثنا في تاريخها و ماهيّات محُبّي الحكمة – كما أطلقها فياغورس – الذين مارسوها سنجد أنّها مرّت بأطوار متعددة ، و هذا المرور هو ما جعل منها مادة أساسية للعملية الفكرية الإنسانية ، إذ أنها أساس من أساسات الفكر الذي أحب تسميته بالفكر الحُر و أقصد به ” حُرًّا ” أي أنه ينزع منزعا لا يعتمد فيه على التقيد بما قاله الفلاسفة السابقون بقدر ما أنه يُعيد التفكير بما قالوه ، إذ أن النقد الفلسفي جزء أصيل في المعرفة الفلسفية ، و هنا ينبغي لنا تسجيل مفارقة ، هل توقفت الفلسفة؟ هل صار اليوم الدرس الفلسفي قائما على السرد التاريخي و النقل الموضوعي و غير الموضوعي لما قاله الفلاسفة الكبار و حسب ؟

    لا شك أن هناك مدارس فلسفية قد ظهرت بعد كانت ، بعضها منشق من مدرسته مثل هيقل و فيختة ، و بعضها لها مشاربها الخاصة بها ، و بعضها بينَ بينَ ، و لكنها تظل علامات بارزة و إن لم نتطرق لها[22] ،  و لكن سنرى مع ذلك أن هناك ثابت على مر التاريخ يرجع لظهور تيار فكري في مكان و زمن محددين ينطلق منهما ما يمكن تسميته بخط عام يندرج تحته كثير من الخطوط المتشعبة ، و مع ذلك تظل لحظات ركود قد تطول و قد تقصر ، فالذي يتبصر في فلسفة أرسطو مثلا و يرى الركود الذي صار بعد السنين الطويلة التي برز فيها فلاسفة اليونان-  و الذين بالمناسبة كانت لهم معطياتهم التي يمكن بحثها بشكل لاحق لتعليل ظهورها – حتى ليظنّ الباحث أنه لن تحدث طفرة فلسفية مُشابهة حتى مرّت مئات السنين و أتت ما يمكن تسميتها طفرة بما حدث في الفلسفة الإسلامية إبان الترجمات الشهيرة وقت المأمون و ما بعده ، و قد مثّلت حالات اندماج مع الوسط الإسلامي الفكري و إن كان في نتائجها من حاد إلى فلسفته الخاصة إلا أن كثيرا من الفلاسفة قد تأثروا بأرسطو بشكل قوي – مثل ابن رشد – و لكن من يدري إذا كان أرسطو نفسه لم يكن متأثرا بما قبله ، إذ أنها سُنة العلم أن يبني الواحد على الآخر؟

    و ظلت سنوات طويلة بعد ذلك حركات الترجمة و حركات الفلاسفة المسلمين و هي تمتزح بالفلسفة القديمة و قد تشكّلت فيها ملامح لفكر مُركّب كما ذكرنا حتى عاد الركود مرة أخرى ليخرج لنا مَن تناولنا من فلاسفة عصر النهضة ، فهل يمكن لنا أن نسمي ما نحن فيه في زماننا حالًا من الركود ؟

    أنا بطبعي لا أميل إلى التعميم في المسائل الفكرية أو التأصيلية و لكن لا غرو أن العالم يُعاني الآن من ركود في الحالة الفكرية العامة ، و جزء من ذلك هو حال الركود الفلسفي ، و أظن أن بواعث ذلك كثيرة و قد يكون من ضمنها :

    ١- ضعف بواعث التأمل لدى الإنسان المعاصر بعكس سابقه و الذي كانت فُرص تأمله أوسع من سواه .

    ٢- سيطرة العملية المدرسية بنمطها القائم على التلقين في العملية المعرفية و التي كان يُقابلها في الماضي مدرسة المناظرة و المحاورة و هو ما تجده مثلا عند الرواقيين[23] و ما ظهر في محاورات افلاطون [24] مع تلامذته أو ما روي عن محاورات سقراط مع السفسطائيين و هو نفسه الذي كان حاضرا في المُناخ الإسلامي القديم في عصر المأمون مثلا و المناظرات في مسألة من أهم المسائل الإشكالية في الموروث التاريخي الشرعي و هي مسألة خلق القرآن[25] و قد تناول كثير من هذه المناظرات ، صالح بن الإمام أحمد في الكتاب الشهير ” المحنة : محنة أبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ” و ما كان يجري كذلك في نفس العصور من مناظرات في بلاط الخلفاء و الوجهاء أو حتى في المساجد نفسها – مثل ما حدث في المرويات عن أبي حنيفة و ماروي عن أكثر من عالم في ذلك العصر، بل حتى في العصور اللاحقة ، حتى ليكاد يكون سمة لهم ، و لك أن ترى أن المعتزلة نفسهم ينسبهم المؤرخون لاعتزال واصل بن عطاء حلقة الحسن البصري و وجود حلقتين متنافستين يولّء مناظرات بين تلامذة الحلقتين[26]  – سواء كان في الفقه أو في الرأي أو في الشعر ، و حتى أنّ هذه المناظرات كانت جزءا من خلود كثير من مفردات العربية- مثلا – و شاهد هذا في الأشعار التي ابنعثت من شعر الفرزدق و الذي كان المُولّد الأهم في تحفيزه هو المحاورات مع خصمه جرير و لو نظرت لسياقات ذلك – حضور المناظرات – فقد تجده حاضرا كذلك في عصر النهضة و هو أمر لم أبحثه ، و إن كنتُ سلّمت بأهمية المناظرة رغم ذلك في العملية التعليمية و في الحالة الفكرية العامة .

    ٣- التسليم المُبالغ فيه للرموز الفكرية و الفلسفية الذين وصلوا إلينا ، فنجد أن التسليم مثلا بكلام نيتشة ، هيقل ، كانط ، ديكارت .. و غيرهم هو تسليم مُطلق ، و يكفي أن تقول أي هُراء و تضعه بين علامتيّ ” تنصيص ” ثم تُتبعه بأحد هذه الأسماء ليُوسم هذا الكلام بثِقلٍ ما يفرضه هذا الاسم و حمولاته التاريخية و الفلسفية ، و نعم كان هذا بالتأكيد حاضرا في كل عصر ، و هو طبع إنساني أصيل مِن تقويم الكلام حسب مكانة قائله ، و لكني أظن أن كثرة الرموز التي يحملها التاريخ الإنساني جعلت من هذه العملية أكثر تعقيدا بعكس ما كان عليه مثلا الفلاسفة في عصر النهضة حيث كان رموزهم البارزين في الفلسفة لا يتعدّون أصابع اليدين ، و حتى أفكار هذه الرموز محصورة في كتب قليلة فلو نرى أرسطو مثلا و الذي كان من أكثر من وصل لنا في الغزارة الكُتبية فإنّ له كتب محددة و أهم هذه الكتب : ” الميتافيزيقيا ” و ” الأخلاق ” ، و لكنك اليوم مثلا لو قمت برغبة داخلية بالتفكير الفلسفي فأنت تحتاج للقراءة لبرتراند راسل و هيقل و كانط و ديكارت و الفارابي و ابن رشد و الغزالي و و .. و القائمة تطول و كل واحد من هؤلاء ينبغي لك قراءة كتابين له على الأقل ، فماذا سيبتقى من تفكيرك الحر الذي تكلمنا عليه قبلُ ، بعد ذلك ؟.

    ٤- تكوين رموز اقتصادية و جماهيرية شعبوية جعلت من تأثير المفكرين مُنضوي بشكل كبير ، فيمكنك أن تجد تأثير رجل أعمال مثل ايلون ماسك و حضوره في الرأي الجمعي بشكل أكبر بكثير من حضور ديكارت مثلا ، أو حضور أحد ما يُسمون ” المؤثرين” في وسائل التواصل الاجتماعي و تأثيره على الرأي الجمعي أكثر من تأثير المنقذ من الضلال للغزالي مثلا .

    و كل هذا هو ما ينبغي لنا النظر له كعملية تحديثية للتكوين القيمي لدى الإنسانية ، فبعد أن كان يُحرّكها الأنبياء ، ثم العلماء و المفكرون و الفلاسفة – بجيّدهم و فاسدهم – صار اليوم يتحرك الناس من خلال الرأي الجمعي الذي يُشكله الاقتصاديون و المؤثرون و هو مبحث طويل يمكن التعقيب من خلاله على كتاب سيكولوجيا الجماهير لقوستاف لوبون يوما ما كأصل يُنطلق من خلاله .

    انتهى ١٦/١٢/٢٠٢٤ مقهى تالنت شارع فلسطين جدة الحمراء .


    [1]و هم أربعة نبغوا في إيونية في القرن الثاني عشر من الميلاد و هم طاليس و أنكسيمانس و أنكسميندريس و هرقليطس في أفسس ، كرم، يوسف. 2018. تاريخ الفلسفة. هلا للنشر والتوزيع، ص 25.

    [2] كرم، يوسف. 2018. تاريخ الفلسفة. هلا للنشر والتوزيع، ص 28.

    [3] حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ” وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ ” كل أمة كان لها رسول ، الطبري ، جامع البيان ، ط دار التربية و التراث .

    [4] الطبري ، أبو جعفر.. جامع البيان. ط دار التربية و التراث ، ج١ ، ص٤٨٤ .

    [5] هم في الأصل معلمو البيان و الخطابة و لكنهم أصبحوا مغالطين و جدليين فتحول المعنى مرادفا لذلك ، ، كرم، يوسف. 2018. تاريخ الفلسفة. هلا للنشر والتوزيع، ص ٣٥.

    [6] بنفس السياق و السعة التي وصلتنا لأفلاطون و أرسطو فيما بعد و لا نغفل هنا أهمية سقراط و لكنّا نقارنه بأفلاطون و أرسطو و هو ماجعل لفظ المعلم الأول يرافق أرسطو فيما بعد .

    [7]  كرم، يوسف. 2018. تاريخ الفلسفة. هلا للنشر والتوزيع، ص ٧٧.

    [8] “ومن أسباب ذلك هو حلم المأمون الذي رأى فیه أرسطو جالسا على السریر وسأله َ المأمون:” ما الحسن؟ فقال أرسطوطالیس: في العقل، ثم قال له ُ ن ما ح : ثم ماذا؟ فقال: ما َ س حسن في الشرع، ثم تابع قوله ما حسن عند الجمهور”، فیشیر ابن الندیم أن هذا الحلم من العوامل التي حفزت المأمون للاهتمام بالفلسفة “، تاریخ إشكالیة النقل الفلسفي من الیوناني إلى العربي العصر العباسي نموذجا ، بخديجة سهالي ، دربالي أسماء ، جامعة قاصدي مرباح ، كلية العلوم الإنسانية ،٢٠١٥ .

    [9] طه عبدالرحمن ، بودكاست الشرق ، سيرة فكرية .

    [10] فرقة من الفرق التي تكونت في التاريخ الإسلامي  لهم بعض المبادئ التي خرجوا فيها عن السنة و الجماعة و منها قولهم بأن القرآن مخلوق ، و عزلهم صفات الله سبحانه و تعالى .

    [11] كرم، يوسف. 2018. تاريخ الفلسفة. هلا للنشر والتوزيع، ص ٢٨٠ .

    [12] هو مذهب يمكن النظر لانطلاقه أنه مُنطلق من ” الإحسان” المذكور في حديث سيدنا جبريل المشهور ، و قد انقسم في هذا المذهب أتباعه لأئمة خير و هُداة و منهم الإمام الغزالي و القشيري ، و انتسب له مَن انحرف عن الجادة لتظل مقولة الرجال يُعرفون بالحق و لا يُعرف الحق بالرجال هي الضابطة لهذا المذهب و هو مسار طويل من مسارات التزكية للنفس و له أربابه و طُرقه و مباحثه .

    [13] و الذين كما ذكرنا كان بعضهم باعثا لأفكار أرسطو بشكل أساس و التي امتزجت بالفكر الإسلامي لتكوّن فلسفة كل واحد منهم و بطبيعة الحال لا يمكن الجزم بذلك لكل الأسماء المذكورة في السياق و لكن يُمكن النظر لها كسمة عامة للمرحلة .

    [14] الآية ٢٣٤ من سورة البقرة .

    [15] أنَّ أبا هُرَيْرةَ وابنَ عبَّاسٍ وأبا سلمةَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ تذاكَروا عدَّةَ المتوفَّى عنها زوجُها تضعُ عندَ وفاةِ زوجِها ؟ ! فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: تعتدُّ آخرَ الأجلينِ، وقالَ أبو سلمةَ: بل تحلُّ حينَ تضعُ، فقالَ أبو هُرَيْرةَ: أَنا معَ ابنِ أخي، فأرسَلوا إلى أمِّ سلَمةَ، زوجِ النَّبيِّ فقالت: وضعت سُبَيْعةُ الأسلميَّةُ بعدَ وفاةِ زوجِها بيسيرٍ، فاستَفتَت رسولَ اللَّهِ فأمرَها أن تتزوَّجَ ” الراوي : أم سلمة أم المؤمنين | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح النسائي ، الصفحة أو الرقم: 3512 | خلاصة حكم المحدث : صحيح ، المرجع : الدرر السنية .

    [16] كرم، يوسف. 2018. تاريخ الفلسفة. هلا للنشر والتوزيع، ص ١٣١ و قد نقلتها باختصارها لا نصا .

    [17] و أضعها بين قوسين تجاوزا

    [18]كرم، يوسف. 2018. تاريخ الفلسفة. هلا للنشر والتوزيع، ص١٦٥- ١٦٦ مع التصرف بالنص .

    [19] “في المؤتمر العاشر للفكر الإسلامي، الذي انعقد في عنابة في الجزائر عام 1971، كشف عثمان الكعاك (1903-1976) عن حقيقة أذهلت جميع المؤتمرين، ذكر أن محمد عبد الهادي أبو ريدة (1909-1991)، الذي كانت تربطه بالكعاك علاقة وثيقة، طلب إليه أن يعاونه في عمل بحثي يتوفر عليه أبو ريدة بخصوص تأثير الغزالي في الفكر الغربي، وبما أن الكعاك كان يعمل أميناً عاماً للمكتبة الوطنية، فإنه استطاع أن يصل إلى مكتبة ديكارت، فوصل إليها وبدأ يطالع، وفُجئ الكعاك بنسخة من كتاب الغزالي “المنقذ من الضلال” مترجمة إلى اللاتينية في مقتنيات ديكارت، وبقلم ديكارت خطوط حمراء تحت أكثر من فكرة من أفكار الغزالي، منها قول الغزالي “الشك أولى مراتب اليقين”، ومكتوب عليها “ينقل هذا إلى منهجنا”، أي إلى كتاب “مقال في المنهج”، وهذه سرقة واضحة بخط ديكارت نفسه ” من مقال هل ديكارت سرق من الغزالي؟  لعماد الدين الجبوري ، اندبندنت العربية ، ١٨ فبراير ،٢٠٢١ .

    [20] كرم، يوسف. 2018. تاريخ الفلسفة. هلا للنشر والتوزيع، ص ١٧١

    [21] كرم، يوسف. 2018. تاريخ الفلسفة. هلا للنشر والتوزيع، ص٢٣١

    [22] و من ضمنها فلسفة برتراند راسل ، و سارتر .

    [23] و هي مدرسة تقوم على المذهب المادي  كرم، يوسف. 2018. تاريخ الفلسفة. هلا للنشر والتوزيع، ص ٦٨.

     

    [25] و لا أتكلم عن القسر على قول الخلق بالقرآن فهو مسار متطرف فيها و لكني أتكلم عن وجود المناظرة كجزء من المُناخ العام حتى لو كانت الحالة العامة تعتمد على القسر .

    [26] و لا شك أنّا لا نتكلم عن صواب عقيدة المعتزلة أو عدمه و ليس أمرنا الآن ردّ باطلها بل سوْق الحالة العامة وقتها .

    جوان 9, 2025

  • محاولة تفكيكية لنص “كونشيرتو قورينا إدواردو” كحالة توثيقية للتاريخ الليبي المعاصر

    كحالة من الحالات التي لا أعرف ما أُسميها ، أنت مُضطرٌ لإنهاء الرواية ، و ليس الاضطرار هنا كنتيجة حتمية لممارسة الإكراه و إنما هو من حالات الوفاق الضمني التي أمضيتها بينك و بين الكاتب ، حالة من حالات غمز العين الذي يكون بينك و بين آخر فيفهم كل واحد ما لدى صاحبه من كلام ، و يتفقان على الفعل نفسه ، هكذا دون كلام ..

    قراءة المزيد: محاولة تفكيكية لنص “كونشيرتو قورينا إدواردو” كحالة توثيقية للتاريخ الليبي المعاصر

    هكذا بدأت نجوى معك ، تخبرك أن الرواية ستكون رواية جيدة ، و تبدأ بإلقاء الخيوط عليك ، لكنها ليست كغيرها تقوم بإلقاء الخيوط المتشابكة من الصفحات الأولى بل تسحبك بوتيرة بطيئة ، من خلال السرد الذاتي ، ليحيك في نفسك السؤال الأبدي هل البطلة الساردة هي نفسها الروائية ؟ لتُجيب هازّا رأسك في وتيرة تلقائية ، لا يهم .

    تنسحب في حالة من القِدم الزماني ، ليست بالبعيدة ، شيء ٌ في بداية السبيعينات ، حقبة غزيرة في الوطن الذي اختارته حيّزا لروايتها ، ليبيا ، فهل قرأت كثيرا عن ليبيا بوصفها وطنا للرواية ؟ كلنا كان حبيسا للحيز المصري أو المغاربي ، و لكن هناك في المنتصف منطقة وسطى حالة من حالات الرمادية اسمها ليبيا ، تجدها حتى في كتب التاريخ بوصفها الفتح الذي كان بعد مصر و قبل برقة ( تونس ) في المنتصف ، لا هي هنا و لا هنا ، غرزت فيها قلمها ، هكذا حتى تخبرك أنّ هذا الوطن ليس وطن المنتصف و إنما فيه ما فيه من السياق الذي يجعله مصرا الخاصة بنا ، أو يجعله المغرب الذي يُحيك لك حالة من الغموض المرتبطة بالمجهول ..

    هكذا تصلني و هي تمرّ لمامًا على تأثير تحولات مصر على وطنها ليبيا فيما كان يحدث لها مما حفظنا عن عبدالناصر و السكرة العامة التي كان يُخوض بها الجماهير و هو يرتجل الكلام مثل فارسٍ دون كيشوتي قادمٍ من ملفات الروايات القديمة الحاملة في اهترائها عفن السنين .

    فتمرّ عليه كحالة مرافقة لتفهمك أنه كان  الفارس الحلم عندنا كما كان عند المصريين ، فتدخلك في حالة التأميم و الاشتراكية و هي تُجرد الناس من كل شيء لتقول لك ” لقد عانينا ” كما عانى هؤلاء ، لكنّا لم نتكلم ، ربما لأن حالتنا الروائية ليست مثلهم و ربما لأن ليس كل اللوعات يمكن الكلام عنها ، إذ أن بعضها يطول و يطول حتى لا يجد صاحبها فراغا للكلام عنها .

    لقد خرجنا عن سياق المراجعة ؟ لا لم نخرج ، فهكذا كانت الرواية ، حالة من حالات توثيق التاريخ الليبي المعاصر ، حالة من حالات القول ” أنا ليبيا ” بوصفها عنصرا من عناصر التكوين العربي في الجغرافيا المعاصرة ، من خلال توأمين ، ريم و ثانية لم تذكر اسمها ، و كلامها عن ريم كان من خلال صوتها نفسه كساردة للأحداث .. فلمَ تحتاج لمعرفة اسمها ؟  .. أنت لن تعرفه إلا في الصفحات الأخيرة ،  لماذا ؟

     لأنها كما اختارت طوال حياتها السكوت خوفا من التأتأة ستُجبر عليه بوصفه الدواء الذي لا مفر منه في صورة الموت لتأتيك أختها في صدمة لك فتكون هي الساردة التي تخرجك مع التآلف الذي تشربته و أنت مع الصوت الذي رافقك خلال كل مسيرة الصفحات التي عبرت ، لتأتيك الأخت و تتكلم معك ، يتداخل السفر المتعلق ب ريم مع المتعلق بأختها، حالة تتشابه مع عدم تمييز الناس في النص بينها و بين توأمها و كذلك أنت لن تميز الساردة الآولى من الساردة الثانية في البداية ، و قد تجد ذلك مُشتتا ، حتى يرد لك اسم ” ريم ” للمرة الثانية بعد مرة وحيدة على لسان حبيبها  ، فيكون كأنه الطُعم الذي يسحبك لليابسة فتتنفس الصعداء للمرة الأولى ثم تغمرك في البحر مرة أخرى فتلتقط نفسسًا مصحوبا بالملح و بالدم حتى ترمي لك طُعما سواه ، قتلتْها ، لأنها كان لا مناص من موتها .. ثم تتركك تتنفس و تتنفس و تخاف و تقلق حتى تُلقيك أخيرا فتخبرك بالسبب الذي جعلها تترك مهجرها و تعود إلى بنغازي ، كحالة من حالات اللحاق بالموت من خلال الهرب منه .

    طوال الرواية و هي محافظة على خط عام من السرد الذاتي ، الذي لن تملّ معه ، و لكن هناك فقد لحالة من مفصل معين تتمنى لو كان حاضرا ليجعلك لا تريد ترك الرواية يوما واحدا ، ذلك المفصل الذي يجعلك تتعلق بالأبطال ، تخاف عليهم ، تخشى النوم قبل معرفة ما حلّ بهم .. ذلك لم يحدث .. أنت ألِفتهم ، عاشرتهم ، لكنك لم تحبهم و كذلك لم تكرههم ، حتى شخصية الأب الذي مات في بداية الرواية ، تمنيت لو تم عمل بناء درامي له يُساعد في صناعة خط معين يمكن ربطه بالابن أيوب ، حالة انتقامية ، رحلة بحثية ، شيء يكون مرافقا للخط العام القائم على السرد الذاتي ، حتى يظل القارئ طوال الرواية خائفا على أبطاله .

    كان الجزء الأخير هو الجزء الذهبي ، بتسارع الأحداث و اختلافها ، الجزء الذي تتمنى لو كانت الرواية كلها على هذا الاتساق ، و لكنها مع ذلك كانت من أجمل ما قرأت في الأيام الأخيرة .

    يبقى عندي تعقيبٌ على بعض الجمل التي كانت بشكل أو بآخر و هو الذي تكلمت عنه من قبل ، في مسألة الإلقاء بجمل ، سطحية تُهاجم الدين ، شئٌ يشابه ما لدى مَن يُلقي بتغريدة عامة غير مبنية على ركيزة واضحة و لكن يرميها على لسان بطل من الأبطال و في مقابلها  لا يزن ذلك من خلال حوار يُناظره ، بل يكتفي برميها بين كل فصل و آخر .. و هذا إشكال الإشكالات لديّ و لكنّي اعتدت في مراجعاتي على تناول الناحية الفنية ، و إن كنتُ لا أرى ذلك إلا جزءا من الناحية الفنية كحالة من حالات التفكير الذاتي للكاتب من خلال بطل أو آخر .

    فيفري 21, 2025

  • حضور القرية كشكل من أشكال الرواية : تغريبة القافر نموذجًا 

    هنا ينبغي لنا أن نقف على حالة من الحالات التي أعدّها وصفا لما يمكن له تأريخ القرية ، و تأريخ القرية لا يمكن له أن يكون خاليا من غير أن تمسه يد الجنوب ، و أقصد بالجنوب ، ذلك الخط الذي يمتد من ساحل عما و يصل في التواء إلى تخوم عسير ، هو خط أدبي و نفسي أكثر منه خطًّا جغرافيا ، يتشابه مع ذلكم الربط بين كل شمال في العالم بوصفه حالة من حالات الترف ، بما يناقض الجنوب كحالة من حالات تجسيد التعب و مقاومة الحياة ، هذا الخط الذي يجعلك و أنت تقرأ الرواية التي كُتبت في قرية من قرى عمان ، كأنك تقرؤها في السودة أو الباحة ، حالة من حالات التناظر المكاني ، و إن بعُدت المسافات ، كيف يمكن لي تفسيره ؟

    قراءة المزيد: حضور القرية كشكل من أشكال الرواية : تغريبة القافر نموذجًا 

    أجد نفسي وسط الرواية و أنا دخلت وسط عملية إنقاذ لامرأة جرفها الماء و هي تحاول مدافعته ، الكل يحاول أن ينقذها ، فهل تجد هذه المحاولات مساقها ؟

    ذلكم الخط الذي يجعلك خائفا على البطل ، البطل الذي لازلت في النقاط الأولى لتعرفك عليه لتظن أنك لا زلت تجمع أبعاد الصورة المكونة له ، فإذا به من غير مقدمات يلقى حتفه ..

    تجد المطر حاضرا .. حضور المطر يجعلك تظن الرواية قد كتبت بالماء المنهمر من المطر ، كحالة من حالات فهم المطر بالنسبة للقرية ، و أنه الحياة لها ، يبقى السبكُ حاضرا في كل مشهد من مشاهد الرواية كحالة مستمرة للتكامل بين أول الرواية و آخرها ، رواية لا تجد فيها انفصالا للمشاهد عن بعضها ، عقد ناظم يجمع السطر الأول بالأخير من خلال ما حدث في المُنتصف .

    مشاهد القرية تلوح لك و كأنها صُورت بكاميرا سينمائية ، تسأل هل عاصر الكاتب هذه البيئة ، أم هي شهادات العجائز و الشيوخ الذين عرفهم و هم يؤرخون مشافهةً كحالة من حالات التوثيق اليومي الذي لا يُقصد به التوثيق بقدر ما هو نمط من نمط الحكايات التي لا تنتهي لدى كبار السن ، كحالة يعوضون بها فقد القدرة على الأفعال ، أو الباعث لها ، فيعوضونها من خلال الكلام ، الكلام عن الماضي ، عن الذي راح من مشاهدهم ، و بقي مثل فيلمٍ في الركن الهادئ القصيّ في الذاكرة يبحث عمن يستجديه فيعيده على المسامع في كل مكان .

    ستظل رواية تغريبة القافر في نظري هي رواية القرية ، القرية المغمورة بالمطر ، المنتظرة للمطر ، مطر مطر مطر ، مثل قصيدة سيّابية قد امتلئت حتى أخمصيها بالماء و هو تأبى إلا أن تكون منثورة وسط الحقول و المزارع ، تمسك القرويين بأرضهم ، مزارعهم ، نخيلهم ، و كزن الذي غرسها لهم نبي من الأنبياء و قد تواصاهم على عدم نزعها من مكانها ، حالة القداسة لدى الفلاح لكل ما هو متصل بالأرض مثله مثل الشجر الذي رضع من أم كانت تأكل من ثمرها ، و شرب من ماء كان ينتظر أبوه اليوم بعد اليوم و يستسقي المرة بعد المرة و هو يستجدي الله في الغيث ، الغيث الذي ليس للزرع وحده بل للبلاد كلها ، البلاد التي عكفوا على تسميتها بذلك ، كحالة من حالات الارتباط الذي يفوق الارتباط بكلمة “أرض ” أو ” مزرعة ” ، هي ” البلاد” كناية المُستقرّ و غاية المستودع .

    فيفري 21, 2025

  • الإنسان حين يستحيل رواية ، و طاهر حين يستحيل آخر حقول التبغ

    حين أقف أمام أحد الأعمال، و قد نسمي الرواية بوصفها عملًا كحالة من حالات التجاوز ، إذ أنّها في أصلها إنما هي حالة من حالات البعث لصراعات تحوم داخل أحدنا فإذا ما بلغت حدها  خرجت في صورة رواية فتكون ألسنة الشخوص هي نحن و لكن بأسماء غير أسماءنا ، نتقن نحن الروائيون حالة التخفي وراء الأسماء ، الأماكن ، المسافات ، أسرى للخيال ، لحالة الانتظار الحاضرة في مخيالنا مثل حضور ” غودو ” عند بطليّ بيكيت في مسرحيته ، أو الوهم الذي يلحقه دون كيشوت في ملحمته ، حالة من حالات الدأب الدائم خلف اللاشيء ؟ لا أعرف ، هي حالة بوصفها حالة قائمة بذاتها ، لا يمكن لها أن تخرج سوى برواية أو انفجار داخلي ، يُترك للأيام كي تقوم بفعل الجرّاح و مِبضعه .

    قراءة المزيد: الإنسان حين يستحيل رواية ، و طاهر حين يستحيل آخر حقول التبغ

    أتكلم عن طاهر ؟ طاهر هو حالة من هاته الحالات التي لا يمكن لك فيها الفصل بين الواقع و الخيال ، لا يمكن لك الاستظراف بجُملة المذيعين الممقوتة ” طاهر الإنسان ، و طاهر الروائي ” لأنه كيان واحد ، حالة تجلٍّ إنساني تتسرب لك من خلال النصوص ، جلسته و هو يتكلم ، حالة اللا حضور للحياة برُمتها ، شيء من عبث الغريب لكومو ؟ واحدٌ من أولئك الشخوص الذين ينبغي لك يوما ما صفّهم في عملك الروائي ، واحد من أولئلك الذين تجدهم قابعين بين صفحات نجيب محفوظ في القاهرة القديمة ، يقلبون الأحداث و المشاعر و هم في حالة هدوء و انسجام مع ما حولهم .

    طاهر حين يكتب لا يبحث في المراجع عن غزو البرتغال لجدة و دفاع أهلها عنها ، أو معركة الموريسكيين مع صلف الإسبانيين ، هو ينتشل الواقع ساردا ما تراه في حياتك ، ما تسمعه من الذين حولك ، و يصوغ لك من ذلك شخوصا و حالة سردية تستحيل لك رواية .

                                            ***

    لا شك أن عنوان الرواية كما يمكن لي تسميته ” ضربة معلم ” من ذلك النوع الذي ما إن تراه حتى تعزم على أخذه ، تجد بعض الروايات و قد أخذت عنوانا يجعل كل كاتب سوى صاحبها يسأل نفسه ، كيف لم يخطر ببالي ، حالة من حالات القريب القريب ، السهل كما قالوا و لكنه الممتنع ، تظنه كان بين يديك ، لكنه بحيلة الكاتب الذي يلتقط كل ما تقع عليه عيناه قبل غيره ، الكاتب الذي تراه فترى كل ما فيه ” بسيطًا ” سوى موهبته ، عصيّة مثل تهامة ، أبيّة مثل كل الحقول في سراتها ، صورة من صور الشيب الحاضن لك في لحيته ، رسوخٌ يأتيك في شعرات متناثرة مثل غيمة وردت حقلا بعد سنين عجاف ، صورة تجعل من حال التجلّى في كلامه و هو يتكلم ، في مشيته ، الهدوء في كلامه ، تحملك لرواية ، تعكس كل ذلك و كأنه فيها ، إنما هو كان يكتب نفسه و يضع ما يُخبئ في السرد و يموّه هذه النفس .

    رواية ” الجنوب ” و أنا ضعيفٌ لرواية الجنوب ، أأباها أول الأمر ثم اتسّق معها مثل الحب الذي لا يكون من النظرة الأولى ، الحب الذي يأتي بالعشرة فيكون أكثر رسوخا و أجل خلودا كما صنّف فيه ابن حزم في طوقه ، حالة من حالات العشرة التي أُحبّ المثول لها .. مثلتُ لها في ” الحزام ” لدهمان و ” ساق الغراب ” ليحيى امقاسم و هما من تلك المدرسة التي تجعلك لا ترى سوى المزارع و لا تسمع سوى نداءات الرعاة طربا مع ثغاء مواشيهم كحالة تتجلى عند أهل الجنوب إذا امتزجوا بالأدب موهبةً و لو كانوا من أقصى أقصى الجنوب ، كحضور القرية عند عبده خال مثلا في ” مدن لا تأكل العشب ”  و ها أنا ذا ألج لعالم طاهر كما سحبني سواه ، أعطيه يدي فيجول بي مُسلما معه نفسي و  بهدوء يأخذك إلي عالم غير العالم .

    تجده يقول مثلا عن إسباني يتعرف عليه بطله في إحدى الفصول ” هناك أناس مثل نبات الظل ، الواحد منهم يموت بمجرد أن تلسعه حرارة الأضواء ، أتوقع أن كيفن من هذا النوع ، النوع النبيل و الصقيل الذي يؤذيه الاختلاط بالبشر “ فتُمسك يديك مصفقا كحالة من حالات الاتساق الذي أخبرتُك أنك واقعٌ فيه لا محالة .

    ” طاهر ” تلك النسمة التي لا تكون في مكان إلا كان غالبا عليه حال النسمات و هي تقف في البعيد ، نسمة الجنوب و هي تنبعث من بين كلماته ، هرب خضران الحفيد للحصن و لواذ خضران الجد للحقل ، هو هرب في حد ذاته لابن القرية عن المدينة ، المدينة التي مهما ظن أنه في يومٍ استساغها  إلا أنها لا زالت في نظره مرهقة ، متعبة ، سافرة ، وسط الهدوء و الانسحاب من كل ملذات الحياة في القرية ، القرية التي تتشابه فيها كل السمات ، قريةً كانت في الجزيرة العربية ، أو في جزيرة بالي ، هي في الآخير تجسيد من تصاوير اللواذ الإنساني بالزرع ، اللواذ الإنساني بالبلاد كحالة كانت بالنسبة لي مرافقة و حاضرة بين طاهر أخيرا و قبله زهران القاسمي في تغريبته ، اثنان يأخذانك لقريتهما ، هما يأبيان أن يجعلا القرية تأتي للمدني ، هي حالة من حالات الإباء القروي ، حالة من حالات الحصون التي يمتلىء بها

     ” جنوبهما ” إذا اعتبرنا ” الجنوب ” نظرية مقاومة للمدينة ، و حريّ بالجنوب أن يكون كذلك .

    مشاركةShare on TwitterShare on FacebookShare on Whatsapp

    Copy linkViews٠٢٥ نوفمبر ٢٠٢٣لا يوجد تعليقاتShow navigation menu

    حين أقف أمام أحد الأعمال، و قد نسمي الرواية بوصفها عملًا كحالة من حالات التجاوز ، إذ أنّها في أصلها إنما هي حالة من حالات البعث لصراعات تحوم داخل أحدنا فإذا ما بلغت حدها  خرجت في صورة رواية فتكون ألسنة الشخوص هي نحن و لكن بأسماء غير أسماءنا ، نتقن نحن الروائيون حالة التخفي وراء الأسماء ، الأماكن ، المسافات ، أسرى للخيال ، لحالة الانتظار الحاضرة في مخيالنا مثل حضور ” غودو ” عند بطليّ بيكيت في مسرحيته ، أو الوهم الذي يلحقه دون كيشوت في ملحمته ، حالة من حالات الدأب الدائم خلف اللاشيء ؟ لا أعرف ، هي حالة بوصفها حالة قائمة بذاتها ، لا يمكن لها أن تخرج سوى برواية أو انفجار داخلي ، يُترك للأيام كي تقوم بفعل الجرّاح و مِبضعه .

    أتكلم عن طاهر ؟ طاهر هو حالة من هاته الحالات التي لا يمكن لك فيها الفصل بين الواقع و الخيال ، لا يمكن لك الاستظراف بجُملة المذيعين الممقوتة ” طاهر الإنسان ، و طاهر الروائي ” لأنه كيان واحد ، حالة تجلٍّ إنساني تتسرب لك من خلال النصوص ، جلسته و هو يتكلم ، حالة اللا حضور للحياة برُمتها ، شيء من عبث الغريب لكومو ؟ واحدٌ من أولئك الشخوص الذين ينبغي لك يوما ما صفّهم في عملك الروائي ، واحد من أولئلك الذين تجدهم قابعين بين صفحات نجيب محفوظ في القاهرة القديمة ، يقلبون الأحداث و المشاعر و هم في حالة هدوء و انسجام مع ما حولهم .

    طاهر حين يكتب لا يبحث في المراجع عن غزو البرتغال لجدة و دفاع أهلها عنها ، أو معركة الموريسكيين مع صلف الإسبانيين ، هو ينتشل الواقع ساردا ما تراه في حياتك ، ما تسمعه من الذين حولك ، و يصوغ لك من ذلك شخوصا و حالة سردية تستحيل لك رواية .

                                            ***

    لا شك أن عنوان الرواية كما يمكن لي تسميته ” ضربة معلم ” من ذلك النوع الذي ما إن تراه حتى تعزم على أخذه ، تجد بعض الروايات و قد أخذت عنوانا يجعل كل كاتب سوى صاحبها يسأل نفسه ، كيف لم يخطر ببالي ، حالة من حالات القريب القريب ، السهل كما قالوا و لكنه الممتنع ، تظنه كان بين يديك ، لكنه بحيلة الكاتب الذي يلتقط كل ما تقع عليه عيناه قبل غيره ، الكاتب الذي تراه فترى كل ما فيه ” بسيطًا ” سوى موهبته ، عصيّة مثل تهامة ، أبيّة مثل كل الحقول في سراتها ، صورة من صور الشيب الحاضن لك في لحيته ، رسوخٌ يأتيك في شعرات متناثرة مثل غيمة وردت حقلا بعد سنين عجاف ، صورة تجعل من حال التجلّى في كلامه و هو يتكلم ، في مشيته ، الهدوء في كلامه ، تحملك لرواية ، تعكس كل ذلك و كأنه فيها ، إنما هو كان يكتب نفسه و يضع ما يُخبئ في السرد و يموّه هذه النفس .

    رواية ” الجنوب ” و أنا ضعيفٌ لرواية الجنوب ، أأباها أول الأمر ثم اتسّق معها مثل الحب الذي لا يكون من النظرة الأولى ، الحب الذي يأتي بالعشرة فيكون أكثر رسوخا و أجل خلودا كما صنّف فيه ابن حزم في طوقه ، حالة من حالات العشرة التي أُحبّ المثول لها .. مثلتُ لها في ” الحزام ” لدهمان و ” ساق الغراب ” ليحيى امقاسم و هما من تلك المدرسة التي تجعلك لا ترى سوى المزارع و لا تسمع سوى نداءات الرعاة طربا مع ثغاء مواشيهم كحالة تتجلى عند أهل الجنوب إذا امتزجوا بالأدب موهبةً و لو كانوا من أقصى أقصى الجنوب ، كحضور القرية عند عبده خال مثلا في ” مدن لا تأكل العشب ”  و ها أنا ذا ألج لعالم طاهر كما سحبني سواه ، أعطيه يدي فيجول بي مُسلما معه نفسي و  بهدوء يأخذك إلي عالم غير العالم .

    تجده يقول مثلا عن إسباني يتعرف عليه بطله في إحدى الفصول ” هناك أناس مثل نبات الظل ، الواحد منهم يموت بمجرد أن تلسعه حرارة الأضواء ، أتوقع أن كيفن من هذا النوع ، النوع النبيل و الصقيل الذي يؤذيه الاختلاط بالبشر “ فتُمسك يديك مصفقا كحالة من حالات الاتساق الذي أخبرتُك أنك واقعٌ فيه لا محالة .

    ” طاهر ” تلك النسمة التي لا تكون في مكان إلا كان غالبا عليه حال النسمات و هي تقف في البعيد ، نسمة الجنوب و هي تنبعث من بين كلماته ، هرب خضران الحفيد للحصن و لواذ خضران الجد للحقل ، هو هرب في حد ذاته لابن القرية عن المدينة ، المدينة التي مهما ظن أنه في يومٍ استساغها  إلا أنها لا زالت في نظره مرهقة ، متعبة ، سافرة ، وسط الهدوء و الانسحاب من كل ملذات الحياة في القرية ، القرية التي تتشابه فيها كل السمات ، قريةً كانت في الجزيرة العربية ، أو في جزيرة بالي ، هي في الآخير تجسيد من تصاوير اللواذ الإنساني بالزرع ، اللواذ الإنساني بالبلاد كحالة كانت بالنسبة لي مرافقة و حاضرة بين طاهر أخيرا و قبله زهران القاسمي في تغريبته ، اثنان يأخذانك لقريتهما ، هما يأبيان أن يجعلا القرية تأتي للمدني ، هي حالة من حالات الإباء القروي ، حالة من حالات الحصون التي يمتلىء بها

     ” جنوبهما ” إذا اعتبرنا ” الجنوب ” نظرية مقاومة للمدينة ، و حريّ بالجنوب أن يكون كذلك .

    مشاركةShare on TwitterShare on FacebookShare on Whatsapp

    Copy linkViews٠٢٥ نوفمبر ٢٠٢٣لا يوجد تعليقاتShow navigation menu

    صفحتي

    ترقية الحساب

    استكشف

    مساعدة

    تسجيل الخروج

    الخصوصيّة

    الشروط

    رأيك

    تويتر

    فيسبوك

    صفحتي

    ترقية الحساب

    استكشف

    مساعدة

    تسجيل الخروج

    الخصوصيّة

    الشروط

    رأيك

    تويتر

    فيسبوك

    فيفري 21, 2025

  • متوالية الكتابة بوصفها صورة التجلي الإنساني 

    يكتُب … ويكتُب، ويملأُ الدنيا بِحبره الذي يظنُ في قرارة نفسه أنه لا ينضب… لكنّه في حقيقة الأمر يكتب لرغبةٍ في داخله كي يبقى، لرغبةٍ تعتريه كي يُحافظ على الرمقِ الأخير في داخله خشيةً أن يراهُ يتداعى في داخله علّه إن فعل يُحافظ على المتبقي من حياةٍ في نفسه، ثم يُمسك بكل ما يمكِّنه من هذا القلم ويأخذُ في حَبورٍ ورقة ويتبتلُ وكأنه في صلاة و أنه في محراب وعلى رأسهِ لا يرى إلا صورةً من تخيُّله ثم يتيهُ في هذا القلم تاركاً له الزمام وهو هو، لا يُداري شيئاً من رغباتِ قلمِه، تاركاً له الوقت كي يخوضَ كما يُريد، وادعاً فيه كل ما فيه هو … ثم ما إن ينتهي هذا القلم وتستقيمُ لحبره الكلمات فيقفُ دونها مزهوا وكأنه يوشع وقد حُبست دونه الشمس أو موسى وقد تلاشت بقايا فرعون أمامه، ثم ماهيَ إلا لحظات حتى يخرج من مزاج نفسه وتركيب ما كان فيه من زهو فيُعيد قراءة ما كان يعبثُ به حتى يجده دون الذي شاء ويراه، غيرَ الذي كانت عليه صورته فينهالُ على الورق تمزيقاً ويروّي في داخل القلم تلكُم الطعنات التي يلعن فيها النقطة الأولى التي جرت منه …

    قراءة المزيد: متوالية الكتابة بوصفها صورة التجلي الإنساني 

                                           ***

     ثم يسألون ما الكتابة؟ إنها سكوتٌ أول الأمر ثم انسيابٌ ثم انتشاء يتبعه مقتٌ وتمزيق حتى تشك في الكاتب الذي بداخلك و تتساءل أأنا حقٌ في باطل أم باطلٌ في حق؟! أم أنا صورةٌ في خيال أو أنا الواقع دون هذا الخيال ثم تتلاشى في نفسك.. في دُنياك .. ثم تتلاشى من كل شيء… ثم تعود لتمسكَ بالقلم لأنك لم تجد منه بُد… وتكتب حتى إذا ما انتهيت عُدت للتمزيق ولكن هذه المرة عدت لتُمزق كل شيء إلا كتابتك لأنك الآن عرفت كُنهَ هذه الآلة وعرفت قداستها.. وعرفت أنّها النعيم وأنها الخلاص من الجحيم وأنها صورة الفردوس وإن كان مفقوداً وأنها حضرة الغياب وإن فُقد فيه كُل أمل وأنها وأنها … لتبقى ” النجاة آخر الأمر”.

    فيفري 21, 2025

  • إعادة القراءة لحجي جابر – لعبة المغزل –

    “الأبواب لا تأخذ قيمتها إلا حين نكون قبالتها ، حين نهرع إليها ، عدا ذلك فهي باردة و غارقة في النسيان ” حجي جابر

    أحاول أن أستهلّ هذه المراجعة بعبارة يمكن لي من خلالها أن أجذب المتلقي ، لماذا ؟ لقراءة الرواية أم لقراءة المراجعة ، حالة من حالات التداخل يمكن لها أن تُصيب الكاتب و هو يُرشح عملا لكاتبٍ سواه ، شئٌ قد يمتزج في نفسه بين الغيرة و الإعجاب و لكي أكون صادقا لم تكن رحلتي مع هذه الرواية في بدايتها موفقة .

    قراءة المزيد: إعادة القراءة لحجي جابر – لعبة المغزل –

    كانت حالة من حالات الملل التي أحاول فيها مقاومته كتلك المقاومة التي تحتاجها في بدء كل عمل ، قررت ترك الكتاب من يدي و كتبتُ في صفحته الأولى كما اعتدت حين إنهاء كل كتاب كحالة من توثيق مروري عليه ، فكتبتُ أن الكتاب لم يوافقني ، و أغلقته و من ثم أودعته حقيبتي ، حاولتُ الهرب منه بالكتابة ، بالعمل بأي شيء يمكن له أن يشغلني عنه فأبدأ برحلة سواه ، وجدته لا زال بعد كل ذلك ينتظرني في الحقيبة ، حالة من حالات الإصرار التي لم أعهدها لكتاب ، أعطيته نظري و قلتُ سأقرأ عنه ما يجعلني أعود له أو يقويني على قرار الافتراق عنه .

    ذهبتُ إلى goodreads  فوجدتُ الكل يمتدح الكتاب ، فقلت هل المشكلة فيّ كحالة من حالات حضور ديكارت بوصفه زعيم الشكوكيين فانتقلتُ للشك في نقاء قراءتي ؟ و لا أخفيكم ، لستُ من القراء الذين ينساقون خلف المشهد العام ، لكن كثرة العدد الذي يمتدحه جعلني على الأقل أُعطيه فرصة ثانية كنوع من الهبات التي يهبها القارئ لكاتب يتمنى لو تكون له معه رحلة لا تنتهي ، توقفت عند مراجعة العزيز طاهر الزهراني لها ، و هنا قلتُ ستكون هذه المراجعة حاسمةً لي ، قرأتها فوجدت المديح ينهال على العمل و على صاحبه ، و ” أبو أحمد ” لديه زاوية نظر في الروايات أأحبُ استراق النظر نحوها .

    فتحت الحقيبة ، و تأملت المجلد و قلتُ ” عُدت ” فأجابني ” هيت لك ” و بدأت بالقراءة و أنا مُحمّل بحال الترقب بعد أن قمتُ بإزاحة حمل الكتابة الذي كان يؤرقني لأيام و لا يريد أن يخرج ، عن ظهري أذ أني كنتُ أحاول قراءته أول مرة و فيّ حملُ من أحمال الكتابة ينبغي لي أن أطرحه ، فكتبت ، و بعدما خرجتُ من نشوة الكتابة و الشعور بأني قد ملكتُ الدنيا كما كان يقول المُنخّل اليشكري :

     ولقد شربتُ من المُدامةِ بالكبير وبالصغير

    فإذا سكرتُ فإنني ربُّ الخَوَرنَق والسدير  ..

    و هنا شعرتُ أن الكتاب حالة تحتاج لا لفرصة قراءة  ، بل للانتباه الوجداني ، كحالة جديدة تمرّ عليّ بفكرة لم أقرأها من قبل .. فكرة ” ماذا لو كان هناك من يعيد كتابة التاريخ ” هذا التساؤل الذي كثيرا ما يُطرح في موائد المُفاكهات و المناظرات البالونيّة عند أشباه المثقفين حين ينظرون للتاريخ و كأنه كذبة كبيرة عازلين عن أنفسهم حالة التراتبية في التحقيق التاريخي و فكرة أن كتابة التاريخ نفسها تعتمد على معطيات أوسع من قصرها على أنها تلقينات يحملها القارئ من كاتب التاريخ و كأنه الوحيد الذي له الحق في كتابته  – و قد تناولتُ هذه الفكرة من خلال مقال سابق و من خلال بودكاست مبتدأ –  .

    هنا ، كان قلم ” حجي جابر ” حاضرا كحالة من حالات سحب البساط من تحت تساؤلات الناس ، ثم فكّر لماذا لا تكون رواية و نبني عليها عملا ؟

    و هنا تأتي المفارقة ، حالة تكوين العمل الأولى ، بذرة الجنين الأولى ، إذا كانت مُباركة كان العمل كله مباركًا و أقصد بالمباركة هنا بوصفها مجازا أدبيا يسمحُ لي بوصفي أديبا أن أتلاعب بالألفاظ كما تشتهي قريحتي .

    كالمحاول أن يُلملم هذه الفكرة رماها  من خلال فتاة لا أذكر اسمها و لا أذكر هل سماها أو لا ، و هل تهمّ تسمية الأبطال إن كانوا يحملون فكرة ؟ المهم هي الفكرة .

    لن أقوم بحرق العمل و أصف ما هو فيه ، يكفيك أن تتخيل لو كان التاريخ بيد هذه الموظفة القابعة خلف مكتبها في دائرة الأرشيف و ما يمكن لها أن تعمل ؟

    هنا يأتي حرق الرواية .. و إن كنتُ لا أؤمن بفكرة ” الحرق ” بوصفها حاضرة في الأعمال الروائية إذ أن العمل الروائي يقوم على أهم من ذلك و هو طريقة تناولك للفكرة ” القابلة للحرق ” و مدى تسييرك لشخوصك كحالة من حالات الربط السردي ، و الذي لا أشك في مرافقة التوفيق لجابر في ذلك ،و ينبغي أن نفهم أن هذه الرواية هي في أصلها رواية الفكرة لا رواية الأحداث ، و هذا هو مكمنها ، لذلك تخيل معي الموظفة التي ذكرناها و هي تقبع خلف أرشيف الوثائق و لديها القدرة على تعديل الوثائق ، فمالذي يمكن لها أن تُحدثه لا لرغبة في تغيير سيرورة التاريخ ، هي أقل من ذلك ، بل لرغبتها في معالجة السأم الذي لديها ، حالة من حالات الترف اللاهي الذي يُحيلك لفخ العبثية الذي فرّ من ذهن ألبير كامو .

    و قد عزز حجي فكرته من خلال النهاية ، ” نهاية شيطانية ” و وصف الشيطنة هذا وصفتُه به و أنا في الثلث الثاني من الرواية كحالة نشوة أصابتني فلم أجد إلا أن أُلقي بكاهل هذا الانتشاء عند صاحبنا .

    أعود لأقول ، لقد نال هذا الـ ” جابر ” بوصفه ساردًا حالة من حالات القلب ، تجعلني أعيد النظر فيما قرأت له من قبل ” سمراويت ” فتُحيلني مُتتبعا للعمل التالي الذي سأقرؤه له . 

    فيفري 21, 2025

  • حالة من حالات الاحتباس الوظيفي

    الناس… الناس قد أصبحت آلات، تدور في فلكِ أعمالها لا حياة لهم ليستمتعوا بها، ولا نعيم لهم فيها سوى تلـكُم الساعات التي يقضونها وقد غاب عنهم شيءٌ من وعيهم ويُطلقون عليها مجازًا -النوم-

    النوم الذي ما إن يخرجون منه حتى يهربون عنهُ بالقهوة التي وكأنهم في فلكِها هي الأخرى صاروا دائرين…

    ” لا تُكلمني حتى أنام ” وَ ” لا تُكلمني حتى أشربها “، وكأن حياتَه كُلها لا شيء فيها يكون في وعيه، أو يكون فيها في أمرٍ بعينِه… بل هو ضائعٌ تائه لا مُقام له إلا لاهيًا عابثًا… هاربًا من النوم إلى النوم ومن النوم إلى ما يشربُه ثم يسمي هذه حياة، حياةً يظَل فيها تائهًا سائحًا من كل شيء إلا أن يكون تلـكُم الآلة وليته كانهُ في عمله بل هو تُرسٌ في آلة سواه… لا يُعطيه عمله إلا فُتـات الفُـتات، ثم يقول مفتخرًا أني “موظف” وما درى أنه عبدٌ لمادّية سواه وأن ثُـلث يومه ضائعٌ على هذا، وثُلثه الآخر بين نوم واستيقاظ لأجل ألا تتوقف هذه الآلة…!

    فما يتبقى له إن ذهب منه ثُلثًاه!! و هل ينفع في حياةٍ “الثلث” …بعد أن ذهب مِثلاَه؟!

    فيفري 21, 2025

  • صوتُ الداخل

    تكون في ظُلمتك ماثلًا إلى نفسك… مُنكسرًا في محراب ذاتك … وكأن الدنيا قد صارت على كاهِلك… وتدعوك زلاتٌ، وتُناديك خطايا.. وأنتَ أنت، لا تلْوي على شيء… غير النظر حائرًا … تائهًا كأن الدنيا، على كاهلك

    ثم يُناديك صوتٌ من مكان بعيد، لم تتهيأ له ولم تُعِدّ النفس له، لكنّك تجد رغم ذلك، داعٍ في داخلك… يُجيب.. يُجيب ويقول: ” لبيك” … ولا يُترك هذا الصوت وحده، وإنما يأتي في داخلك داعٍ سواه… يُشابِهُـه في الهمس، ويُخالفه في الذي يدعوك له… فيطلب منك وكأنه الوصيُّ عليك.. أن تعود إلى ماكنت فيه وألا تخرج من ظُلمةٍ تُحيط بك، وإنما تظل كما أنت، لا رِجلًا إلى الأمام ولا واحدةً إلى الخلف.. وإنما يطلُبك كي تستبقيهما في مكانهما… وأنت في مكانك لا تتحول.. تجد الصوت الذي يُجيبه داخلك ما يُنبي بـ “لبيك” وتجد داعيًا سواه.. يسحبُك… لتعود إلى ظُلمتك وتبتئس فيها أكثر وأكثر… ثم يعلو صوتُ صاحب التلبية ويأتيك بنور سماوي وحضرةٍ ملائكية… فيقول: “وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ “، فتجدُ فيها إحدودابًا إليك، واحتواءًا لك.. وكأن الله، يُناديك ليُخبرك… ألا تقنط: “عبدي” وإني أنا الذي رحمتي وسعت كل شيء، فكيف لاتسَعُ ذنبك!! كيف يا عبدي، لا تُخرجك آياتي من ظلمتك وغيّها إلى بصيرةِ أهبها لك…

    فتقعدُ حائرًا… مائلًا إلى هذا الصوت الربانيّ… وشيءٌ فيك آخر قد مالَ إلى صوتٍ سواه… لم يُغادرك بعد… فتجد في نفسك صراعًا وكأنك مغلوبٌ فيه، على ظاهرك… وما تدري أن نصرك في غلبتك له… ولكنك إذ ذاك لا تدري أيّ الندائيين تُجيب… ولا تدري أي المسلكين تدخل… فلعلك حينها إذ تتفكّر.. وتتفكّر… يهديك الرب… ويأخُذُك قسرًا من غيّك إلى رحمتك.. لعل.. ولعل…

    فيفري 21, 2025

  • القلم مُتكأً

    حين تلُم بي المُشكلات وأقفُ مذهولًا، لا أعرف ما أفعل … أبحثُ عمّا أخرجُ به ما بداخلي، فلا أجد… أصيرُ حيرانًا، وأتيهُ خلف أشياءٍ لا أراها… أُحاول لملمتها والبحثَ فيها عنّي، ولا أجدُني، فأزيد تيهًا… وأصير مُتلهفًا كي أُريق ما بنفسي مِن حيرة…

    وقتها … أُخرِجُ كل الذي بي.. وأترك لنفسي راحةً ترجوها وأُمسك بزمام أمري، حين آتي… وأدع قلمي يذهب، يلوح بعيدًا… حاملًا معه كل ما سكن بي ويصرفه وحده، حاملًا العبء الذي عاف عن حمله جسدي، ويدَعه يعبرُ من خلاله دون أن أشعر به إلا وقد خارت منه أنفاسي

                                                    ***

    ولكن ما أفعلُ حين لا أجدُ قلمي حاضرًا؟ حين أريده سهلًا أخضرًا فيستحيلُ ثمرًا حنظلًا، ماذا أفعل إذا أردتُ منه المُضيُّ قدمًا، وأراد هو الوقوف والمثول أمام الورق منطويًا على لا شيء…؟

    أأملكُ تغييرًا لإرادته؟ أو أملك قدرةً لتحويل مساره؟ … إنه هو الذي يملكُني، فكيف لي أن أملكه ، كيف لي أن أدعه يكتب حين أريده أن يفعل، وأن يتوقف حين أكتفي من ذلك، إنه الآمرُ الناهي، إنه الذي يبدأ حين يريد وينتهي حين يريد، وما أنا؟

    يقولون “كاتب” … أما هذه فنعم، أنا محضُ “كاتب”، أُمسك بهذا العظيم وأفعلُ ما يُمليه علي… فهل أنا مسلوب الإرادة؟ أو أنا ضعيف الإرادة؟

    هذا ما لا أدريه ولا أعلمه… فقط تركني دون أن يُخبرني بشيء واكتفى بأن يدعني وحيدًا إلا من اًصوات يضربها داخلي حين يريد أن يأتيني فإما أن أجيبها أو ينصرف عني…

    وأحاول الآن… أن أُكمل المقال… أحاول أن أملأ الورقة بما يصل بها إلى وحدة موضوع واستقامة كلام… فلا أجد… إنه قد ضنّ عنّي وبخل عن الزيادة، فلا أراه إلا قد استغنى… فهل  أملك بعدها أن أزيد؟

    فيفري 21, 2025

  • رواية قبل النكسة بيوم

    كيف يمكن لك نسيان كريمة و هي التي أول ما يرنّ على مسمعك اسم الرواية ، تكون الحاضرة فيك لا بوصفها البطلة لها بل بوصفها المرأة التي شفقت عليها من الوقت الذي كُسرت فيه و هي لا تزال في بداية عمرها و فرحت معها و هي فيما بعد السبعين و هي تصرخ ملوحة بالفرن و بالانتصار ؟

    كريمة و حمزة ، كل واحد منهما يذهب بك لعالمه و كأنك تحاول فهم ماهيّة الحدث في حالة من السرد الذي لا يمكن لي أن أقف عنده كثيرا فعلى رغم جمالية قلم كاتبها إلا أن ثغراتٍ فيها ، كنتُ أتمنى لو دخل في مسار السعة الذي يجعله يتجنبها ، و من أقربها لذاكرتي – و الذي قد يكون فيه الحرق على الذين يتحسسون من ذكر مواقف الروايات مثل الذي يتحسس من مرض قد يقضي عليه – هو مشهد التقاء حفيدة حفزمة بحفيد كريمة بعد خمسين سنة ، مثل مشهد حالم لا يمكن له الوقوع إلا في زمن تكون فيه العنقاء و الخل الوفي هي الغالب و الأساس .

    لقد أخذتني الرواية في حالة تاريخية لذيذة لأجمل الفترات التي أحب القراءة عنها و من كثرة قراءتي عنها أظنني دخلت في حالة من الفتور تجاهها ، كنت أظن أن من الصعب على كاتبنا أن يخرجني منها ، و لكنه فعل من خلال ما يمكن أن أسميه ” رواية اللاحبكة ” ، رواية ليست بتلك التي يحدث فيها جريمة في بدايتها فتظل في حالة من الأسر للبحث عن القاتل ، أو تلك التي يربط البطل نفسه بقضية فيظل يدافع عنها طوال السرد ..

    لم يدخل في ذلك المسار .. و إنما عكف على فكرة ما أسميه ، التغير في النظر بين العاشقين ، لا أن الحب ذهب بل لأن الذي حولهم قد غيرهما فجعل من كل واحد أو على الأقل من أحدهما واحدا غير الذي كان من قبل ، جسدا بلا روح .. أو روحا في جسد غير الجسد الذي كانت فيه من قبل ، فيبتسم متفاجئا دون أن يثير فيه الغيرة ، طلب صديقه السبعيني الزواج من كريمة السبعينية ، مثل حالة من حالات السريالية التي يمكن أن تصيب الأبطال و لو كانوا – أبطالا – .

    حمزة .. ترفع قبعتك له احتراما طوال مواقفه .. حتى يرد عليك هذا الموقف الأخير ، فتعزى نفسك بذهاب شخصه الأول الذي كنت تحترمه ، و دخوله في شخص آخر لا تملك أن تمقته ، لماذا ؟ لأنها كما هو عند السينمائيين ، هو كذلك عند الروائين ، للشخصيات المنحنى الذي يبدؤن منه و ينتهون عنه ، و لا يعني هذا اختلاف دواخلهم ، بل لأن الزمن كفيل بألا يُبقي كل شيء كما كان أول مرة و لكنه وسط هذا يُبقي شخوصا كمحاولة لمسايرة الحياة ، كما هم ، لا يتغيرون و لا يتبدلون ، و لكنهم استجابة للذين حولهم ، و كذلك كانت كريمة .

    لقد اعتمد بين الفصول بوضع فواصل لا علاقة مباشرة لها مع الشخوص ، و لكنها أقرب للخلفية التاريخية للأحداث مثل عبدالناصر ، المشير ، صلاح نصر و تلك القائمة الطويلة التي كانت تكتب في أجندتها تاريخ مصر في منتصف القرن الماضي و صارت اليوم حالة تاريخية تدخل في حياز النقد ، و الذي على أساسه دخل الكاتب في تكوينات تنطلق من تكوينهم لهذه السردية .

    إن أهم ما استند عليه هو المعرفة التاريخية بالتفاصيل اليومية للحياة في الستينيات ، و أظنها هي العنصر الأقوى في الرواية بعد سلاسة قلمه و بناءه المنتظم لشخوصه ، و أُعزي هذه المعرفة حسب تقديري ، لقائمة الشكر التي وضعها في آخر الرواية و التي من ضمنها أسماء ستعرفها و أسماء قد تجهلها و لكنها كانت متصلة في شخوص الرواية و لو في خطوط ، أظن الكاتب آثر الاحتفاظ بها معهم ، فيما بينهم .

    فيفري 21, 2025

الصفحة التالية

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم

 

تحميل التعليقات...
 

    • اشترك مشترك
      • محمد عمرو عبدالجبار
      • ألديك حساب ووردبريس.كوم؟ تسجيل الدخول الآن.
      • محمد عمرو عبدالجبار
      • اشترك مشترك
      • تسجيل
      • تسجيل الدخول
      • إبلاغ عن هذا المحتوى
      • مشاهدة الموقع في وضع "القارئ"
      • إدارة الاشتراكات
      • طي هذا الشريط